أفكار ومواقف

تطبيع الكولنيالية..!

الكولنيالية هي «السياسة التي تتبعها دولة ما في سعيها إلى بسط سلطتها -أو إدامتها- على شعوب أو أقاليم أخرى، بشكل عام بهدف الهيمنة الاقتصادية. وفي عملية الاستعمار، قد يفرض المستعمرون دينهم ولغتهم واقتصادهم وممارساتهم الثقافية الأخرى على الشعوب الأصلية».
لا مراء في أن الكولونيالية، بالتعريف، مشروعات معادية للإنسانية، قوامها إخضاع آخرين، واستملاك بلادهم ومواردهم، وسلب حرياتهم ومصادرة حقهم في الحرية وتقرير المصير، وكثيراً ما تسلبهم أرواحهم نفسها. لكنّ هناك شكلاً متطرفاً في الفظاعة من الكولنيالية: الاستعمار الاستيطاني.
في حين أن الاستعمار غير الاستيطاني يهدف إلى نهب موارد المناطق المستعمَرة وخدمة مصالح أخرى للمركز الاستعماري، ويمكن أن ينسحب عند مواجهة مقاومة جادة، فإن الاستعمار الاستيطاني يقوم إحلال المستوطنين محل السكان الأصليين، والتخلص من أصحاب الأرض بالتهجير أو الإبادة. وفي الخبرة العالمية ثلاثة استعمارات استيطانية ذهب ضحيتها عشرات الملايين من الناس: أميركا، وأستراليا، وفلسطين.
في كل هذه الاستعمارات، لم يكن صاحب المشروع الاستعماري دولة بالمعنى المفهوم، وإنما حركات مهاجرين مغامرين يسعون إلى إنشاء كيان جديد في الأراضي المستعمَرة، وعلى أساس «حرق المراكب» واللاعودة. وبسبب الطبيعة الإحلالية لهذه المشاريع، فإن الفكرة هي أن قطعة الأرض لا تتسع لصاحبها والطامع فيها معاً. ولذلك يكون الصراع في هذه الخبرة صراعاً وجودياً بطبيعته: إما أنا أو أنت.
هذه هي الفئة التي ينتمي إليها المشروع الصهيوني في فلسطين. وقد عرف عدد كبير من المؤرخين والباحثين هذه المشروع بهذه الصفة. في العام 1967، كتب المؤرخ الفرنسي ماكسيم رودنسون مقالاً (أصبح كتاباً فيما بعد) بعنوان «إسرائيل: دولة استعمار استيطاني»؟ والذي فحص فيه الجذور التاريخية للحركة الصهيونية وكيف أن «دولة إسرائيل» تشكلت كدولة استعمار استيطاني قامت على تجريد الفلسطينيين من أملاكهم وتشريدهم. ووصف لوررينزو فيراسيني «إسرائيل» كدولة استيطانية، وكتب أن المستوطنين استطاعوا أن يطردوا البريطانيين في العام 1948 فقط لأنها كانت لهم علاقاتهم الاستعمارية الخاصة داخل وخارج «إسرائيل الجديدة»، ويستخدم المؤرخ إيلان بابي نفس التوصيف في بحثه في «إسرائيل» والصهيونية. ولا خلاف على هذه الطبيعة القبيحة للاستعمار الصهيوني لفلسطين.
مع ذلك، تضافرت الكثير من العوامل، وأهمها نجاح مشروع المهاجرين اليهود الاستيطاني وإقامة «دولة» في تغييب صفة الاستعمار أيضاً عن هذا المشروع. وللأسف، أصبحت «دولة إسرائيل» تتمتع باعتراف دولي وبعضوية الهيئات الدولية كدولة مشروعة. ويجري الحديث فقط عن المشروع الاستيطاني التكميلي في الضفة الغربية باعتباره الجزء «الاستعماري-الاستيطاني» الوحيد في مشروع استعمار فلسطين كله. وفي هذا التقدير تجنٍّ معروف وتناقض غريب. فقد دخلت إلى الأدبيات والمعاجم المختلفة كلمة «النكبة» بأصواتها العربية لتعبر بشكل حصري عن تهجير الفلسطينيين من وطنهم وحلول آخرين محلهم في عملية استعمار استيطاني صريح. ومع ذلك، يُشرعن المستعمِر الاستيطاني حتى مع وصف ما فعله بأنه نكبة لشعب كامل.
ينبغي استحضار هذه الحقائق عند الحديث عن تطبيع الكيان الصهيوني في فلسطين والتطبيع معه. إن هذه الممارسة، أياً كان من يُمارسها، هي تطبيع لِ (أو مع) مشروع غير أخلاقي، وشرير، وقاتل، ضحاياه بالملايين. وهي بذلك ممارسة غير أخلاقية، شريرة، وقاتلة، وتشارك في تطبيع نكبة الشعب الفلسطيني وعذاباته باعتبارها شيئاً غير مهم ويمكن التسامح، أو حتى التماهي، معه.
في الحقيقة، لا ينبغي أن يكون هناك «سلام» لأي كيان استعماري يمارس الاستعمار، بما هو الاستعمار كشر مطلق لا جدال فيه. ولا ينبغي أن يكون هناك أي اعتراف بحق الاستعمار وأفراده في الوجود في الأراضي المستعمرة، سواء كان عادياً أو استيطانياً. وليس هذا الخيار أخلاقياً ومبرراً بالنسبة للشعب المستعمَر أو جيرانه أو أقاربه. إنه شيء يخص الإنسانية كلها، باعتبار أن جزءاً من الناس على هذا الكوكب سيكونون ضحية حتمية للاستعمار.
بالنسبة للفلسطينيين، فإن صراعهم مع المستعمر الاستيطاني في وطنهم وجودي بلا مواربة. وأي تهرب من هذه الحقيقة، وما يترتب عليه من استراتيجيات وأدوات وتعريفات، هو انتحار وتآمر على الذات. ولا شيء يرتّب عليهم نزع هذه الصفة الوحشية الحقيقية عن عدوهم، وتوضح التجربة ما جلبه اعتراف القيادة الفلسطينية بشرعية المستعمر الاستيطاني من ازدراء. وبالنسبة للآخرين، فإن تطبيع الكولنيالية ينتمي فقط إلى مكانه الطبيعي: التآمر القاتل على الأخلاقية والإنسانية.

انتخابات 2020
24 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock