أفكار ومواقف

“تطور” الموسيقا العربية والإخلاء الثقافي..!

من المؤكد أن الأحكام الجمالية –وغيرها من الإنسانيات- نسبية. لكن تكوين هذه الأحكام لا يحدث في معزل عن المقدمات والسياقات. ومن الواضح أن مختلف أنواع الأحكام تتأثر بأحكام ثقافة المنتصر. وسوف يتصور عضو الثقافة المهزومة أن كل العناصر في ثقافة الآخر الغالب لا بد أن تكون أقوم وأجدر؛ كيف لا وخياراته الثقافية جزء من البناء الذي جعل الآخر ينتصر؟
فكرتُ بذلك بينما أشاهد على إحدى الشاشات شابا ينتج في الموسيقا والأغنية. وتعني استضافته في حد ذاتها أن له من المتابعين والمعجبين ما أتاح وصوله إلى الاستوديو. وفي اللقاء، تحدث بثقة كبيرة عن مشروعه، وكرر تبريرا شائعا جدا لأسلوبه في الموسيقا. لقد رصد ميول الشباب، فوجد أنهم يميلون إلى استهلاك المواد الفنية في قالب الموسيقا الغربية. وفي الحقيقة، كما أوضح الضيف في عينات عمله، ليست أي موسيقا غربية وليس أي أداء غنائي. وبالطبع، أوضح الشاب فكرته بلغة ليست عربية ولا إنجليزية، وإنما مزيج من تعاقب المفردات من اللغتين –مع غلبة للكلمات الإنجليزية.
كما تبين، أولاً، ليس جمال صوت “المغني” شرطا. بل إنه لا يلزم. بل إنه قد ينجح إذا كان خشنا مبحوحا. وليس عليه أن يعرف أي مقامات موسيقية وما شابه؛ يمكن أن يلقي النص بنغمة واحدة فقط. ثانيا، الموسيقا ليست تنويعات على المقامات، وإنما إمساك الإيقاع بواسطة آلة، غيتار مثلا، بطريقة التآلفات التي يمكن أن يتعلم “العازف” بعضاً منها –أي نغمة واحدة فقط أو اثنتين. ثالثا، الكلمات أيضاً يجب أن تكون “خارج الصندوق”، لا غرام وعواطف؛ لا فكرة مألوفة مثل وصف مشهد المطر مثلاً؛ لا شيء مكررا مثل التغني بالوطن، أو البوح بأشواق روحية. غنِّ الكلام الذي تحكيه يوميا ولا تعبأ بمراقبة المفردات، غنِّ مثلما تحكي لصاحبك عن مشوار إلى السوق.
البعضُ يُسمون هذا تطويراً للموسيقا العربية وتغيرا تجب مراعاته في الذائقة. يصعبُ على أبناء جيلي فهم “التطوُّر” هكذا في هذا الموضوع. وفي الحقيقة، ليست الموسيقا الغربية نفسها هكذا بالضبط. ثمة مشروعات “تجديد” هناك أيضاً، على طريقة الشباب عندنا. لكن هناك موسيقا غربية يسمعها الناس من أي ثقافة، فلا يفوتون جمالياتها و”الشغل” الموضوع فيها، نصاً وموسيقا. وما تزال هذه الأعمال تظهر، فلماذا لا يراقب أنصار “التطور” هذا النوع من “ثقافة المنتصر”؟
يعرفُ الموسيقيون فرقاً بين الموسيقا العربية والغربية، هو أن الأخيرة ليس فيها ما يسمى “ربع تون”، هذه العلامة الموسيقية التي تجعل الموسيقا الشرقية شرقية. وذلك يتيح للموسيقيين الغربيين العمل بحرية أكبر في التآلفات الصوتية التي لا تتيح مثلها المقامات الشرقية. ومع ذلك، فإن الموسيقا الشرقية، بشرقيتها وكثرة مقاماتها بالتحديد، تتيح مساحات إضافية لا حدود لها أيضاً ومنسجمة مع ذاتها وهوياتها –بل إنها تستوعب التآلفات نفسها باختيارات المؤلف. وقد تطورت الموسيقا العربية بطريقتها واستوعبت التغيير، سواء من حيث الآلات أو التقنيات –أو حتى البناءات النغمية والنصية. فلماذا الحكم على تاريخ من الشغل على الموسيقى العربية بالتقويض، والتضحية جزافاً بالجماليات الهائلة اللانهائية لهذه الموسيقا وهذا الغناء؟
ليست الفكرة التعصب الرافض للتحاور مع الثقافات -مع الاحتفاظ بالذات لأنه لا معنى لحوار بين شيء ونسخته الناقصة. حدث تحاور صحي في الفكر والأدب. لكنّ الذي يحدث الآن هو نوع من “الإخلاء” الثقافي الشامل، حيث العرب ينسحبون من الميادين العسكرية، ويسحبون معهم ثقافتهم مثلما يسحبون دبابة معطوبة ليودعوها ساحة الخردة. إنها أشبه بعملية “تطهير”: أتلِف ما لديك واستورد شيئاً غربياً رائجاً في الأسواق وأنت مغمض العينين –إنهم يعرفون كيف ينتقون وماذا يستهلكون -لذلك ينتصرون!
من شروط “حداثة” الشخصية العربية الشبابية التحدث بلكنة ومفردات لغة غربية. وأين؟ بينما تتحدث في مكان عربي إلى مستمعين عرب وحيث تسع مفردات العربية فكرتك وزيادة. حُكمٌ نسبي من حقّ صاحب الحكم؟ ربما، ولكنه حكم مستفزّ. إنه ليس خاصاً بصاحبه بالضبط بقدر ما هو تسليم متزايد للثقافة الجمعية. إنه يتيح إخلاء الآخرين من دون اختيارهم وتسليم حيزهم للمستوطنين، مع المزيد من اضطراب الهوية المربك والمعدي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock