أفكار ومواقف

تطوير التعليم بين الدولة والمجتمع

منذ أكثر من عقد، ونحن نسمع عن تشكيل لجان، وعن اجتماعات ومؤتمرات، كلها تشرح الحالة المتردية التي وصل إليها التعليم في الأردن، من دون أن نلمس على أرض الواقع أي تقدم إلى الأمام، ولو حتى بخطوة واحدة.
خبراء أمميون استقدمناهم من شتى بقاع العالم، أفادونا حول تجاربهم في نقل التعليم في بلدانهم ليكون مواكبا للقرن الجديد وتحديات الثورة الصناعية الرابعة، غير أننا اكتفينا بالجانب الاحتفالي منهم، ونسينا نصائحهم.
مشكلة تدني جودة التعليم في الأردن ذات شقين؛ رسمي واجتماعي. فعلى الجانب الرسمي، تحتاج العملية إلى ثورة حقيقية، وهذه الثورة تتأتى من قرار صارم بتغيير المناهج والبرامج التعليمية السائدة، ومواجهة معارضي القرار وفرض تطبيقه.
لكن الحكومات المتعاقبة ظلت تقدم خطوة وتؤخر أخرى، وتحسب حساب مكونات بعينها دخلت معها في “مداهنات” سياسية على مدى عقود، ولم تكن ترغب بفض “الشراكة المثمرة”، والتي مررت من خلالها كثيرا من القوانين والتغييرات التي أرادتها، وتم التوافق عليها مع “شركائها”.
المجتمع، بدوره، يتخوف من أي تغيير يطال عملية التعليم، وتحركه العواطف تجاه الشكل الجديد الذي يتوجب أن تكون عليه المناهج على وجه الخصوص، منطلقا من “نظرية المؤامرة” التي تفيد أن الخارج، بما يمثله من تحديات وضغوطات ومراكز قوى، يحاول فرض نوعية تعليم معينة على أبنائنا.
المجتمع معني بالتحصيل الأكاديمي، وقد تعززت لديه مفاهيم معينة تعلي من شأن الشهادة وحملة الشهادات، وقد لا يكون معنيا بما يمثله مفهوم “التحصيل العلمي”، أو مواكبة التطورات العلمية والثورات التي حدثت في عملية التعليم، وما رافق الثورة الصناعية الرابعة من إمكانيات هائلة لم نستطع حتى اليوم أن نؤسس إلى وجودها في حياة أبنائنا التعليمية.
المجتمع، للأسف الشديد، يعمد باستمرار إلى اجترار الماضي والتغني به، ولكنه غير معني بإجراء مقارنات بينه وبين المجتمعات الحديثة التي طورت تعليمها بعيدا عن العواطف، وأيضا لم تخسر ثقافتها ولا إرثها الحضاري.
تطوير التعليم لا يعني أن نبيع أنفسنا للشيطان، ولا أن نخسر هويتنا الوطنية والقومية والدينية، بل هو بالضرورة تكريس لهذه الهوية، وامتلاك القوة والحق لترسيخها إن استطعنا اللحاق بركب الشعوب الحية وتجذير وجودنا بعيدا عن الارتهان لأي عامل.
تطوير التعليم تقوم به الدولة بواسطة قرارات تفرض تطبيقها بصرامة، ولا يمكن تركه للمجتمع الذي يبحث عن الشكليات و”البراويز” بعيدا عن الجوهر.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock