أفكار ومواقف

تعتيم الشوارع عبث غريب بالأرواح..!

كنتُ أظن أنني أشتكي وحدي من إطفاء أنوار شوارع عمان ليلاً، وتصورت أن للمسألة علاقة بالعمر وكلالة البصر. لكنني سمعت شكوى متكررة من عتمة الشوارع، من أشخاص من مختلف الأعمار. وليس الأمر مسألة “شوارع فرعية” قليلة الاستخدام –مع أن الرؤية تلزم في كل شارع. إنهم يطفئون مصابيح الشوارع السريعة في عمان: شارع الأردن، الجامعة، الاستقلال، المطار، وغيرها. فإذا قدت سيارة في تلك الشوارع ليلاً كنت في خطر. وإذا سرت فيها على قدميك كنتَ في خطر أيضاً. إنك إذا سُقت، لا ترى حواشي الطريق، ولا الجزيرة الوسطية، ولا السائرين على الجوانب أو الذين يحاولون عبور الشارع. سوف تسترشد فقط بمصابيح السيارة التي أمامك لتجد الطريق. وبطبيعة الحال، لا أحد هنا يعتقد بأهمية الخطوط العاكسة على كتف الطريق ولا بتخطيط مساربها علها تساعدك. إنهم يتركون سلامتك لحدسك وحظك وتحسسك للطريق!
للمسألة كلها علاقة حميمة بغمامية الرؤية، حيث يرى أصحاب قرار أن إطفاء الشوارع في الليل يوفر الطاقة والمال. يمكن! لكن المعروف أن حوادث السير الفاجعة التي يغلب أن يفاقمها ضعف الرؤية تكلف طاقة ومالاً أيضاً. ثمة أرواح المواطنين وممتلكاتهم على المحك. ثمة طاقات وحضور الذين يخسرهم أهلهم والبلد في الحوادث، وثمة الكلف المادية -التي تقل جسامة عن خسران الأرواح بالتأكيد- لكنها كلف أيضاً. وأتصور أن المسائل لا تعود كماليّة عندما تتعلق بروح الإنسان وسلامته، حيث لا يمكن الحديث أبداً عن توفير. قد يوفر المواطنون، لو كانت لديهم ثقافة التوفير، في المنازل التي يشعل بعضها كل أضواء الغرف والأسوار بلا داع. قد نوفر الطاقة في اختصار استخدام السيارات الخاصة لو توفرت مواصلات عامة كفؤة ومريحة. قد نوفر في الأموال الهائلة التي تهدرها ثقافة الاستهلاك، أو الترهل الحكومي والفساد. قد نوفر عندما لا نعطل مشاريع الطاقة المحلية التي لا يفهم أحد تأخر إنجازها المستمر. لكن شيئاً لا يبرر التوفير في تعمية الطرق وجعل أنصاف عميان إذا استخدموها ليلاً.
العتمة سمة غير جميلة في المدن. إنها تبث انطباعاً يخص مناطق الحروب أو الكوارث. وإذا زار الآخرون مدينتك ووجدوها معتمة في الليل، فإن ذلك يخجلك ويفضح أزمتك وفقرك أو شحك –تماماً مثلما تشعر عندما تنقطع كهرباؤك وعندك ضيوف، فترتبك وأنت تبحث عن شموعك التي نسيت أين وضعتها. وبعض الناس لا يحبون العتمة. وقد أخبرني صديق يعيش في مدينة تضيء ليلها مثل النهار أنه يحب تلك المدينة أكثر من عمان لأنه لا يحب العتمة. وعندما زرته هناك فهمت عم يتحدث وكم يشعرك الضوء بالأمان.
الدول التي تتطور، تجسد تطورها في توسيع رقعة ونوعية بنيتها التحتية: الكهرباء والماء والطرق والنظافة. ومعها تتطور الصحة والتعليم والمعمار والخدمات. أما أن تتراجع هذه الاتجاهات بدل أن تتقدم وتتوسع، فتلك إشارة مرعبة في القرن الحادي والعشرين، تستوجب أكثر من التوقف العابر. إنها تعني فشلاً في الاستراتيجيات وخطراً أكبر من “داعش” وأي تهديدات ظرفية يجري التحدث عنها. إن البلد إذا تراجع تعليمه فإنه يدور عائداً إلى الجاهلية والعتمة. وإذا شح ماؤه قلت خضرته وأكله الغبار. وإذا أخفق اقتصاده انطفأ النور في عيون مواطنيه وأصبحوا متوترين وعدوانيين. وإذا أصبح الاتجاه الانحداري مستمراً بحيث يصبح إطفاء الشوارع التي أنيرت أصلاً بشق الأنفس شيئاً عادياً ويومياً، فإن ذلك يعني دعوة الجميع إلى النوم وكآبة الروح!
يتفقد الأردنيون حجم الاقتطاعات والضرائب الحكومية التي تأكل دخولهم، فينذهلون. يفترضون أنهم يستحقون في المقابل خدمات جيدة السوية، والتي تقدمها الدول عادة بالمجان أو بكلفة بسيطة على الأقل كحق لمواطنيها عليها. لكن معادلتنا تعطي الانطباع بأن الدولة تحرص على استيفاء ما تفرضه بوسائلها، باعتبار أنه واجب المواطن على الوطن، بينما لا يجد المواطن ما ومَن يستوفي له حقه وواجب الدولة تجاهه. وفي قصة الأنوار مثال. سوف تدفع مخالفة السير كاملة غير منقوصة إذا ضبطوك وأحد أضواء سيارتك معطل، بحجة تشكيلك خطراً على سلامة نفسك والآخرين، وهذا حق. ولكن، في المقابل، أي سلامة في أن يقطعوا عنك أنوار الطريق؟!

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. احسنت
    قمة الخطر وقمة الرعب السير بشوارعنا بالاخص في الشتاء. استهتار ما بعده استهتار. وأقصى لحظات سعادتي عندما أسير بشارع مخطط حسب الاصول بلون فسفوري عاكس ليلا وفي الضباب. أتمنى عليك متابعة هذا الموضوع الخطير وغاية الأهمية

  2. المواطن اخر اهتمام الحكومة!!!
    السلام عليكم وبعد
    قضية يومية بسيطة على بساطة شعبنا ولكن في غاية الاهمية وفي المقابل في غاية الاستهتار بهذا الشعب ! فالمواطن شيء غريب على اسماع الحكومة!!! ولا يدخل في سجلها اليومي الا في حالة ارادت تحصيل الاموال من جيوبه المخزوقة!!! لله درك يا ابن الخطاب" والله لو ان بعيرا عثرت في ارض العراق لخشيت ان يحاسبني الله بها لما لم تسهل لها الطريق يا عمر " فمن اين لنا بمثل حذاء عمر!!! خليها عالله يا الله !!!

  3. لم توفق الحكومه في هذا الاجراء من التقشف ابدا
    الحكومه وحتى تبين للناس انها جاده في التقشف فاختارت اجراء العتمه الذي يؤثر مباشره على الناس ولكن بشكل سلبي جدا . واقول اذا كان هذا الاجراء التقشفي الذي سيوفر على على الخزينه مبلغ زهيد في مقابل اثاره السلبيه جدا من حيث ازدياد الحوادث المروريه وازدياد اعمال اسلب والسرقه وازدياد الهلع بين الناس سنجد ان الاجراء اساء اكثر بكثير من توفير مبالغ لا تذكر . وعليه لا يجب التعتيم باي شكل من الاشكال بل يجب زياده النور والاضاءه . وهنا ينطبق على الحكومه المثل الشعبي القائل ( الحكومه اجت تكحلها ف عمتها ) لله دركم ايها المسؤولون .

  4. عالوجع ويارب الحل لأنه حقنا نحن دافعي الضرائب
    مقال رااائع وبوقته وفعلا معاناة وظاهره منتشرة في كثير من المناطق و الأمانه و شركة الكهرباء غاااااااائبين ولاصيانة فعالة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock