أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

تعديلات قانون التنفيذ

سلامة الدرعاوي

تعديلات مهمة قام بها مجلس النوّاب على قانون التنفيذ، رغم انها لم تعجب البعض مما كانوا يطالبون بشكل كامل لإلغاء حبس المدين.

التعديلات النيابيّة هذه المرّة على القانون جاءت لتتناسب تدريجيّاً مع المطالبات الاحتوائية بعدم حبس المدين، ومراعاة للحقوق الماليّة المترتبة على التعاملات التي تمت بمرأى واتفاق أطراف عدة، فهي تتوازن بين الأبعاد الاقتصاديّة والحقوق الماليّة مع الأبعاد الاجتماعيّة المترتبة على حبس المدين.

أهم ما جاء في قانون التنفيذ الجديد، هو عدم جواز حبس المدين للمبالغ التي تقل عن 5 آلاف دينار، وهذه نقطة في غاية من الاهمية لاعتبارات اجتماعيّة خطيرة، فغالبية المطلوبين للتنفيذ القضائي او المحبوسين هم من السيدات او من تلك الفئات التي اقترضت مبالغ صغيرة ووقعت مقابلها كمبيالات او شيكات بكفالة زوجها او أخيها، وتعثرت عن السداد، مما تسبب في حبسها، وفي هذه الحالة كان لابد للمشرّع ان يقاضي الطرف الآخر فيما يتعلق بالربا الفاحش الذي امتهنه البعض تجاه هذه الفئات بتمويلهم الصغير والذي ترتّب عليه تعثرهم وبالتالي حبسهم، والسبب في ذلك حتى يتم قطع دابر هذا الاستغلال الربوي الفاحش تجاه احتياجات المجتمع خاصة من السيدات.

أيضاً من أهم تعديلات قانون التنفيذ هو تخفيف مدة حبس المدين من 90 يوما بالسنة إلى 60 يوما، وتخفيض النسبة المطلوب دفعها من قبل المدين حتى لا يسجن لتصبح 15 % بدل من 25 %، مع إلغاء حبس المدين بعد 3 سنوات.

هذه كلها تعديلات مهمة تعطي الفرصة لإعادة ترتيب التعاملات الماليّة بشكلٍ صحيح ووفق أصول قانونية واضحة للجميع، واعطاء فرصة كافية لكل من وقع في تلك القضايا لإعادة تبويب وضعه ومعالجة الأمر بمزيد من الوقت لعمل تسويات مقبولة للطرفين.

لا يمكن إطلاق الأحكام المطلقة على حالة المتعثرين ماليا، والمطالبة بإلغاء حبس المدين بشكل عام دون حفظ حق الدائن من جهة، وتعريف وتبويب وصف المتعثر من جهة أخرى، حتى لا يظلم أحد وتتحقق العدالة النسبية بين أطراف المعادلة الحقوقية كاملة.

الدعوة المطلقة والشاملة لإلغاء حبس المدين فيها ظلم للدائن وللخزينة ولصغار المتعثرين وغيرهم من الشرائح الاجتماعيّة التي تستحق ان ينظر في طلباتها بمنع الحبس.

فهناك المئات إن لم يكن الآلاف من صغار المتعثرين الماليين نتيجة عدم قدرتهم على سداد التزاماتهم الماليّة المبرمة وفق شيكات مؤجلة، وغالبية هذه المبالغ قليلة لا تساوي كُلف حبسهم.

هؤلاء عالج المشرّع النيابيّ وضعهم بمنع حبسهم في المبالغ التي تقل عن خمسة آلاف دينار.

أيضا هناك عشرات من كبار رجال الاعمال الذين تعثرت أعمالهم لأسباب اقتصاديّة بحتة، اضطروا للهرب خارج البلاد تجنبا للحبس، وغالبيتهم يملكون أصولا مختلفة محجوزا عليها بواسطة أحكام قضائية قطعية في بعضها، جعلتهم بسبب تلك الأحكام غير قادرين على إجراء أيّ تسويات ماليّة رغم قدرتهم على ذلك ضمن معادلة مقبولة للجميع، هنا يتطلب من المعنيين النظر بأوضاع هذه الشريحة، ومساعدتها قدر الامكان على العودة للبلاد وترتيب ملفاتهم بالشكل الذي يسمح لهم بعمل تسويات ماليّة تضمن حقوق الدائنين.

لكن لا يمكن إجراء تسوية مع من استغل الثغرات القانونيّة المختلفة ليحتال على المواطنين والبنوك والشركات ويهرب للخارج، هذا لا يمكن ان نعتبره متعثراً، بل هو محتال ونصاب بالدرجة الاولى يستحق العقاب المنصوص عليه بالقانون.

الدعوة المطلقة لإلغاء حبس المدين ستسمح بتسلل العديد من المحتالين للتستر وراء هذا الشعار الشعبوي، والذي فيه غبن حقيقي وكبير للدائنين.

من غير المنطق إلغاء حبس المدين دون ان يكون هناك تبويب وتعريف لمن هو المتعثر، وهذه مسؤولية المشرّع الأردني في وضع الوصف العادل له، والتفرقة بين من تعثر اقتصادياً ومن خطط للنصب والاحتيال.

المشكلة ان غالبية التعاملات في الاقتصاد الوطنيّ تتم وفق شيكات مؤجلة، وهذا الجزء يعتبر خللا وتشوّها كبيرا في الممارسات التجاريّة الداخليّة التي جعلت من الشيكات أداة ائتمان وليست أداة للدفع، وهذا ما يستدعي أيضا الوقوف عليه وإجراء جراحة عميقة لهذا الخلل الكبير.

تعديل قانون التنفيذ يتطلب أيضاً فتح الباب على قوانين ذات صلة يتطلب تعديلها فورا حتى تكون منظومة العدالة الاجتماعيّة شاملة في موضوع حبس المدين والتعامل مع تفريعاته المختلفة.

المقال السابق للكاتب 

رفع أسعار الفائدة.. لمصلحة من؟ (2-2)

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock