حياتناسياحة وسفر

تعرّف على المدينة الأوروبية المعروفة بالخمول والتراخي

يتباهى سكان بلوفديف، ثاني أكبر مدن بلغاريا، بأسلوب الحياة الفريد الذي تشتهر به مدينتهم.

وعندما تستقل حافلة من العاصمة صوفيا إلى مدينة بلوفديف، ستلاحظ بمجرد النزول من الحافلة الاختلاف الكبير في إيقاع الحياة بين المدينتين. ففي مدينة بلوفديف، يمشى الناس على مهل، حتى يخيل إليك أن لديهم متسع طويل من الوقت. وتبدو الطرق في بلوفديف أقل ازدحاما منها في صوفيا.

وقد يتضح هذا الاختلاف جليا عندما تتجول في أرجاء المتنزه في قلب المدينة، حيث يتجمع كبار السن ويلعبون الشطرنج ويجلس الناس باسترخاء ويتجاذبون أطراف الحديث تحت ظلال الأشجار الضخمة المعمرة.

وستشعر حينها أن هناك نوعا من خلو البال أو اللامبالاة في المدينة، لكن يصعب فهم أسبابه.

وفي منطقة كابانا بقلب المدينة، تزدحم طرق المشاة برواد الحانات والمقاهي، وتجلس مجموعات من الشباب والعشاق أمام الجداريات الزاهية التي تزدان بها جدران الطرقات.

ويقضى الناس ساعات في المقهى المجاور لمسجد دزومايا في قلب المدينة، ويحتسون القهوة التركية.

وحتى القطط في شوارع المنطقة المرصوفة بالحصباء، تبدو أكثر خمولا من المعتاد. فهي تمط جسدها بتكاسل وتخرخر ثم تتقلب وتعود للنوم.

وإذا سألت الناس لماذا يسود هذه المدينة الخمول والتراخي، سيردون بكلمة واحدة “أيلياك”.

ولا تستخدم هذه الكلمة كثيرا خارج بلوفديف، رغم أنها أضيفت إلى المعاجم البلغارية منذ أواخر القرن التاسع عشر.

واشتقت “أيلياك” من كلمة “أيلاكليك” التركية التي تعني الخمول أو التلكؤ أو التسكع، وتعود جذورها إلى كلمة “أيليك” أو “شهر” بالتركية.

فيروس كورونا: ما الذي يجعل الشعب الدنماركي أقل تأثرا بكوفيد-19 في أوروبا؟

زيارة إلى المدينة التي تحولت إلى “مقهى عملاق في الهواء الطلق”

وترى يانا غينوفا، مديرة مركز “صوفيا” للأدب والترجمة، إن كلمة “أيلياك” كانت تعني توظيف شخص بالشهر. وتقترن الكلمة عادة بكلمة “بيشيم”، المشتقة من فعل “بيشا” وتعني يدق أو يضرب بالسياط أو يقطع أجزاء من جذع شجرة.

ويقصد بالكلمتين معا أنك إذا أردت أن تمارس “أيلياك”، أو تتراخى فعليك أن تقتطع جزءا من الوقت حتى تنأى بنفسك عن الهموم والمشاغل اليومية.

لكن هذه الكلمة في بلوفديف اكتسبت معنى جديدا خاصا بها، ولم تعد كلمة تترجم بقدر ما هي تجربة تعاش.

فإذا سألت الناس عن معناها، سيلقي أكثرهم دعابة عن مواطن من بلوفديف التقي بسائح إسباني، وسأله الإسباني عن معنى كلمة “أيلياك”، فأجابه البلغاري أنها المقابل البلغاري لكلمة “لاحقا” الإسبانية لكن من دون قلق أو ضغوط.

وفي عام 2019، تقاسمت بلوفديف لقب عاصمة الثقافة الأوروبية مع مدينة ماتيرا في إيطاليا. وأجرت مؤسسة “فاير ثياتر” للتمثيل الإيحائي، التي يرأسها بلامين راديف جورجيف، الممثل الإيحائي البلغاري، في إطار الأنشطة الثقافية للمدينة، مجموعة من الحوارات مع الجمهور لاستكشاف معنى كلمة “أيلياك”، وأصولها وكيف ارتبطت إلى هذا الحد ببلوفديف.

بلوفديف
التعليق على الصورة،بلوفديف ثاني أكبر مدن بلغاريا وواحدة من أقدم المدن في أوروبا

ويقول جورجيف، الذي ينحدر من مدينة ستارا زاغورا وانتقل إلى بلوفديف في عام 2018: “واجهتنا بعض المشاكل عند إجراء البحث. فقد تساءل الكثيرون عن أسباب الاهتمام بهذه الكلمة، رغم أنها لا قيمة لها، فهي مجرد خمول وكسل”.

لكن الصورة أخذت تتضح بعد إجراء نقاشات مع الجمهور. فكلمة “أيلياك” هي التفرغ لبعض الوقت، أو الجلوس على مائدة الإفطار مع الأصدقاء حتى يحل الظلام دون أن تشعروا، أو هي الاستمتاع ببيئتك.

وكانت كلمة “أيلياك” ترتبط بالمكانة الاجتماعية، فقد كان الأثرياء المتأنقون يتسكعون في الشوارع بلا قصد أو هدف. ويشبهها جورجيف بمدرسة “الزن البوذية”، كأنها تحرر الروح. ويقول: “إن أيلياك تعني أن تخوض معترك الحياة، لكنك تظل في منأى عن مشاكلها”.

وفي العاصمة صوفيا، ذكر الكثيرون الذين تحدثت إليهم أنهم يعتقدون أن كلمة “أيلياك” مجرد دعاية أو اسم رنان لعاصمة الثقافة.

ولهذا قررت أن أذهب بنفسي إلى بلوفديف وأقضي عدة أيام في المدينة وأظفر ببعض وقت الفراغ لأمارس “أيلياك”.

وتحدثت إلى سفيتوسلافا مانشيفا، عالمة الإنسانيات ومديرة مؤسسة “آيه سي إي أيه” لربط المجتمعات ببعضها. وتعيش مانشيفا، التي تنحدر من كارجلي في الجنوب الغربي لبلغاريا، في بلوفديف منذ عشر سنوات، وليس لديها نية لمغادرتها.

وتقول: “تجتذب سمعة المدينة في التراخي وممارسة “أيلياك” الكثيرين للانتقال إليها والعيش فيها”. وتقول صديقتها إليتسا كابوشيفا، إنها نشأت في بلوفديف وانتقلت لفترة إلى برلين، لكنها سعيدة الآن بالعودة إلى بلوفديف.

وتقول إن برلين جميلة لكن إيقاع الحياة هناك ليس متراخيا.

مدينة بلوفديف
التعليق على الصورة،تنفرد مدينة بلوفديف بإيقاعها المتراخي، ويخصص سكانها بعض الوقت من اليوم للتريث والاستمتاع بالحياة

ترى مانشيفا أن كلمة “أيلياك” لها جذور ضاربة في تاريخ بلوفديف المتنوع ثقافيا. وتشير المؤرخة ماري نيوبرغر إلى أن المدينة كانت مركزا تجاريا مزدهرا في القرن التاسع عشر، وكانت تحل في المرتبة الثانية بعد إسطنبول في الأهمية التجارية بين جميع مدن الإمبراطورية العثمانية.

وكان يعيش في مدينة بلوفديف البلغاريون، جنبا إلى جنب مع اليهود واليونانيين وطائفة الروما (الغجر)، والأرمن والشعوب السلافية (الصقالبة)، وكانت شوارعها ومقاهيها مكتظة بأناس من مختلف الأجناس.

وترى مانشيفا أن “أيلياك” كانت رد فعل لتحديات العيش مع غرباء، وتقول: “إنها تمثل إيجاد مساحة خاصة لنفسك في المدينة. وأرى أن أيلياك تقوم على التواصل، أو الرغبة في التحدث إلى الآخرين وفهمهم دون أن تحبهم بالضرورة”.

وتصف الروايات التاريخية مقاهي بلوفديف في القرن التاسع عشر بأنها كانت ملتقى للحرفيين والتجار، وكان الوقت فيها يمر ببطء. وانتقد الشاعر البلغاري هريستو دانوف إهدار الوقت في المقاهي.

وكتب: “يذهب الناس للمقاهي للتدخين والتحدث واحتساء القهوة، وينتظرون بفارغ الصبر مغيب الشمس لشرب النبيذ”.

وقد أثار إيقاع الحياة البطيء والمتراخي في المدينة انتباه زوارها. وكتب الرحالة البريطاني جون فوستر فريزر في عام 1906: “تخيل مشهد حديقة تضيئها مصابيح عديدة. وتصطف أسفل الأشجار طاولات لا حصر لها، يجلس عليها جميع سكان بلوفديف، يحتسون القهوة ويشربون الجعة ويقرعون كؤوس ضخمة مملؤة بلترات من النبيذ.

وعلى طرف الحديقة، نُصب مسرح صغير، وتعزف فرقة بلغارية موسيقى صاخبة. كان ذلك عشية يوم الإثنين، وكان سكان بلوفديف يستمتعون بوقتهم”.

المسرح المدرج في مدينة بلوفديف
التعليق على الصورة،المسرح المدرج في مدينة بلوفديف الذي يعود للقرن الثاني الميلادي يعد واحدا من أفضل المسارح القديمة المحفوظة في العالم

وتُجمع كل من مانشيفا وكابوشيفا على أن “أيلياك” هو تخصيص بعض الوقت وسط اليوم المزدحم بالمشاغل لاحتساء القهوة، والبحث عن زاوية أو ركن منعزل في المدينة، سواء زقاق أو متنزه صغير أو مقعد لمقابلة الأصدقاء والاستماع للموسيقى واحتساء الجعة أو مجرد تجاذب أطراف الحديث. أي إيجاد مساحة للتواصل مع الآخرين.

ويقول جورجيف إن “أيلياك” هي البحث عن بعض الحرية وسط مصاعب الحياة. وترى مانشيفا وكابوشيفا أن الحرص على عادة الابتعاد لبعض الوقت عن مشاغل الحياة اليومية، هو أفضل أسلوب حياة.

وبعد قضاء عدة أيام في بلوفديف، تعلمت كيف أقتطع وقتا من اليوم للاستمتاع بالحياة. وتجولت متمهلا في الطرقات، وتعاملت مع الأمور بهدوء وتروي. والغريب أنني أنجزت كل شيء في موعده، لكن من دون تعجل أو ضغوط.

وقبل أن أغادر بلوفديف، أرسلت رسالة بالبريد الإلكتروني للكاتب البلغاري فيليب غيوروف، الذي كان يجري أبحاثا عن “أيلياك” بوصفها فلسفة حياة، وطرح المفهوم كبديل للنمو الاقتصادي في رسالة الماجستير بجامعة لوند.

ويقول غيوروف: “ينبغي أن نفكر في تغيير أولوياتنا ونتحرر من إيقاع الحياة السريع في المدن الكبرى، فلا يكون الهدف الأهم هو شراء أحدث الأجهزة التكنولوجية أو الترقي الاجتماعي.

إن الناس الآن، ولا سيما الشباب، يعانون الأمرين من الجوانب السلبية للاحتراق النفسي، ولهذا يجدر بنا أن نتمهل ونفكر في تخفيض الإنتاج والاستهلاك، ونعيش في تناغم مع الطبيعة ومع أنفسنا”.

وغداة مغادرتي بلوفديف، جلست في المقهى المجاور لمسجد دزومايا، وطلبت كوبا من القهوة وطبقا من الكنافة المحشوة بالجبن.

وراقبت قطة برتقالية تغط في النوم بسلام تحت ظل أشجار الورود. لم أشعر أنني أحتاج للنظر في ساعتي أو هاتفي، فلم يكن لدي مواعيد هذا المساء. واحتسيت قهوتي وأخذت أراقب الشمس وهي تنحدر نحو المغيب.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock