أفكار ومواقفرأي اقتصادي

تعزيز دور الصناعة الوطنية

تعزيز دور الصناعة الوطنية في أي دولة في العالم، وفقاً للتطورات العالمية اليوم، بات يقوم على ثلاثة محاور أساسية؛ المحور الأول، أن الصناعات الوطنية بحاجة إلى تعزيز الدور والقدرة التنافسية محلياً، وليس إلى الدعم النقدي المباشر. فالدعم المباشر قد يؤدي، حسب التجارب العالمية، إلى ركون أقطاب الصناعة إلى ضمان عدم المنافسة محلياً، وبالتالي التوجُّه نحو تقديم سلع غير تنافسية من حيث الجودة، أو كُلف الإنتاج، أو حتى من حيث المعطيات الصحية أو البيئية.
وعلى النقيض من ذلك، فإن تعزيز القدرة التنافسية يقوم، من جهة، على عدم السماح للمنافس الخارجي، مهما كانت قوته السياسية عالمياً، على إغراق الأسواق المحلية بسلعة مدعومة من قبله، بحيث تصل أسعار تلك السلع في السوق الخارجي إلى أرخص مما يبيعه هو في سوقه المحلي.
ومن جهة أخرى، فإن تعزيز القدرة التنافسية للمنتج المحلي يقوم على المساعدة على عدم الحصول على المواد الخام، أو كُلف التشغيل، بأسعار مشوهة؛ أي تفوق المستوى العالمي للأسعار بمراحل كبيرة. وفي العُرف الصناعي، فإن أهم تلك الكلف هي الطاقة، وهي مكوِّن أساسي للصناعة، إلا أن كلف تزويد الطاقة في العالم كله يتم تقديمها للمستهلك الصناعي بنحو نصف ما يتم تقديمه للمستهلك التجاري أو المنزلي.
والمعروف اليوم أن متوسط كلفة إنتاج الكيلوواط/ساعة في العالم لغايات الصناعة منخفضة نسبياً؛ لأن كلف إنتاج الكهرباء باتت في أدنى مستوياتها عالمياً نظراً لتطور وسائل وسبل إنتاجها دولياً.
وإضافة إلى ذلك، فإن العديد من الدول تفتح المجال للقطاع الصناعي لإنتاج الطاقة من خلال إمكاناته في مجال توليد الطاقة المتجددة، عبر الرياح أو الشمس، أو توفيرها عبر مصادره الخاصة، مع الحفاظ على البيئة، والكُلفة، والسلامة والصحة العامة للمناطق التي يتواجد فيها. المحور الثاني لتعزيز دور الصناعات الوطنية يكون عبر استخدام إمكانات الدولة، وأجهزتها المختلفة، لمساعدة القطاع الصناعي على فتح أسواق جديدة، وهنا يكون للسفارات الدور الأهم في تعزيز التبادل التجاري مع الدول التي تتواجد فيها. ويكون في السفارة شخص متخصص يدرس إمكانات التبادل التجاري، وإمكانات فتح الأسواق للصناعة الوطنية، بل والعمل على تذليل الصعاب، إن وجدت، أمام المنتج الوطني لدخول تلك الأسواق.
وأخيراً وليس آخراً، فإن تعزيز دور الصناعة في الدول يتطلب القيام بدراسات تنافسية وطنية مستمرة، دراسات تقوم أولاً على تحديد القدرة التنافسية للصناعة الوطنية، من جهة، وعلى آليات تطوير تلك التنافسية عند الحاجة، من جهة أخرى. وهي دراسات أساسها مساعدة الصناعة على تطوير مجالات عملها، وعلى تنويع منتجاتها، وعلى استكمال حلقات الإنتاج عبر ما يسمى “الحلقات التنافسية”، ما يعني ترابط الصناعة أمامياً وخلفياً مع المواد الخام، والمكملات الصناعية الأخرى من المواد، والسلع، والخدمات.
ويتوج هذا الدور بقيام الوزارات المعنية بالصناعة، والتخطيط، والاقتصاد الوطني، وحتى الاستثمار، على المساعدة على مجال دراسات البحث والتطوير التي تمكن الصناعة من تحسين جودة ونوعية منتجاتها الوطنية؛ أي تحسين تنافسيتها، وغزو أسواق جديدة، والوصول إلى منتجات تنافسية عالية الجودة بأقل كلف ممكنة. الصناعة عصب الاقتصاد الوطني، فهي في النهاية المشغل الأكبر للعمالة الوطنية، وهي المصدر المستدام للعملات الأجنبية التي تدعم الاحتياطيات الأجنبية والاستقرار النقدي، وهي مصدر الأمن الاقتصادي والاجتماعي القومي لأي دولة. ولعل الحرب التجارية العظمى التي تقودها الولايات المتحدة اليوم هي أكبر دليل عى أهمية الصناعات الوطنية في الأمن القومي للدول.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock