فكر وأديان

تعظيم المسجد الأقصى ونصرته من الإيمان بالغيب

أسامة شحادة

من المقرر أن الإيمان بالغيب هو أصل مفهوم الإيمان لأنه يتعلق بكل أركان الإيمان الستة (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر)، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “والغيب الذي يُؤْمَنُ به ما أخبرت به الرسل من الأمور العامة، ويدخل في ذلك الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وملائكته والجنة والنار، فالإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر يتضمن الإيمان بالغيب”.
ولذلك كانت أول صفة للمؤمنين في القرآن الكريم هي صفة الإيمان بالغيب في قوله تعالى: “الذين يُؤمنونَ بالغَيب” (البقرة: 3)، إذ إن أكثر مسائل الإيمان هي قضايا غيبية لا تقع في دائرة الحس أو المشاهدة أو حتى العقل، ولا وسيلة لمعرفتها إلا بالخبر الصادق عن عالم الغيب.
والغَيْب هو كلّ ما غاب عنك، من الماضي والحاضر والمستقبل، وقد يكون غيبا مطلقا استأثر الله عز وجل بعلمه أو قد يكون غيبا نسبيا أطلع الله عز وجل بعض خلقه عليه أو يكون غيبا في وقت ثم ينكشف كخروج الدجال ويأجوج ومأجوج في المستقبل أو تبين جنس الجنين الذي لم يكن يُعرف قديما إلا بالولادة واليوم أصبح يعرف بواسطة الأجهزة ولكن بعد مدة محددة من الحمل حين تتحدد ملامح خلقه وتكوينه، وهكذا، قال تعالى: “عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحدا* إلا مَن ارتضى من رسول” (الجن: 26-27).
ومن أمور الغيب الواجب تصديقها والإيمان بها تعظيم المسجد الأقصى، ومِن ثمار هذا الإيمان بالغيب بفضل المسجد الأقصى والأرض المباركة حوله نصرته والدفاع عنه وبذل الأموال والأوقات والطاقات والأرواح في سبيل حمايته وتحريره.
فمِن قضايا الإيمان بالغيب المتعلقة بالمسجد الأقصى أنه ثاني مسجد وُضع في الأرض كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فعن أبي ذر قال: قلتُ يا رسول الله: أي مسجد وُضع في الأرض أول؟ قال: “المسجد الحرام”، قلت: ثم أي؟ قال: “المسجد الأقصى”، قلت: كم بينهما؟ قال: “أربعون سنة”، متفق عليه.
ويوضح لنا ابن الجوزي تفاصيل ذلك فيقول: “الإشارة إلى أول البناء، ووضع أساس المسجدين؛ وليس أول من بنى الكعبة إبراهيم، ولا أول من بنى بيت المقدس سليمان، وفي الأنبياء والصالحين والبانين كثرة، فالله أعلم بمن ابتدأ.
وقد روينا أن أول من بنى الكعبة: آدم، ثم انتشر ولده في الأرض، فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس”.
ومن مسائل الإيمان بالغيب بخصوص المسجد الأقصى أنه مسجد مبارك ومبارك ما حوله أيضا، لقوله تعالى: “سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله” (الإسراء: 1)، وحول بركة المسجد الأقصى وما حوله يرى د. عبد الفتاح العويسي أن البركة نوعان، مادية دنيوية من خصوبة الأرض وتعدد الزروع والثمار، ومعنوية دينية من كونها مهبط الملائكة ومبعث الأنبياء وأرض المحشر.
ومما يعد من أمور الغيب المتعلقة بالمسجد الأقصى -والتي يصدّق بها المؤمنون بالغيب- حادثة الإسراء والمعراج، التي وقعت في مكة قبل الهجرة بسنة أو ثلاث سنوات.
فقد أسري بالنبي، صلى الله عليه وسلم، بجسده وروحه ليلا من مكة المكرمة لبيت المقدس ثم عرج به هناك إلى السماوات العلا فقابل عددا من الأنبياء فيها ثم صعد إلى سدرة المنتهى وتكلم مع الله عز وجل وفُرض عليه أداء الصلاة هناك، ثم نزل إلى المسجد الأقصى، وكان وقتُ صلاة الفجر قد حان، فقدمه جبريل ليؤم الأنبياء في الصلاة -هذا اختيار الحافظ ابن كثير في تفسيره أنه صلى بالأنبياء بعد المعراج وليس قبله- ثم عاد لمكة.
ومن اللطائف في قصة الإسراء والمعراج أنها جمعت بين الإخبار عن أمور غيبية وأمور مشاهدة، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يسبق له زيارة بيت المقدس بينما بعض كفار قريش زارها ويعرفها، ولذلك أخذ يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن تفاصيلها امتحانا واختبارا له، ويحدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: “لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثله قط، قال فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به” رواه مسلم.
ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أهل قريش عن موعد وصول قافلة لهم رآها في الطريق وأن بعيرا منها هرب فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم، لمكانه، وأخبرهم أنه توقف في الطريق وشرب ماء من وعاء مغطى للقافلة.
وفعلا جاءت القافلة في الموعد الذي حدده النبي صلى الله عليه وسلم وصدقوه في خبر هروب البعير ونقص الماء من الوعاء المغطى، وبرغم نجاح النبي صلى الله عليه وسلم في امتحان الكفار عن سلامة وصفه لبيت المقدس وثبوت صدقه كالعادة دوما في حديثه عن القافلة فإنهم لم يصدقوا حديثه عن عروجه إلى السماء، بينما المؤمنون في عصره وفي عصرنا يؤمنون بذلك الحديث الصادق عن الغيب.
ومما يتعلق بقضايا الغيبيات للمسجد الأقصى صِدق النبي صلى الله عليه وسلم، حين أشار إلى أن المسجد الأقصى – وكان زمن النبي ساحة فارغة- سيدخل تحت ظل حكم الإسلام وسيكون فيه مسجد تقام فيه الصلاة ومعتكف للصائمين، لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى”، متفق عليه؛ وقوله صلى الله عليه وسلم: “لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومسجد بيت المقدس”، أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار وصحّحه الألباني.
وفعلا تحقق إخبار النبي صلى الله عليه وسلم، فقد فُتح بيت المقدس على يد الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، سنة 16 للهجرة، وأقام الفاروق فيه المسجد القبلي الذي تحققت فيه بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، بأن يصبح مسجدا ومعتكفا للمسلمين.
وكما تحققت هذه النبوءة قديما فستتحقق كل الأخبار الغيبية التي حدثنا بها النبي صلى الله عليه وسلم، في مستقبل بيت المقدس وتناولناها في الأسبوع الماضي، وبسبب ارتباط المسجد الأقصى بأمور الغيب فإن الدفاع عنه ونصرته تكون واجبة على كل مؤمنٍ بالغيب لأن ذلك مقتضى الإيمان بالله ورسله وكتبه، وفي ذلك يتسابق أهل الإيمان والجهاد.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock