أفكار ومواقف

تعليقا على ما حصل

أفضل تعليق على ما حصل في البرلمان أمس هو تجاهله تماماً، واعتبار أن هذه اللحظة لم تحصل ولم تكن أصلاً، فقد خان النائبَ تعبيرُه، كما وأن الرئاسة الجليلة – على غير عادتها – أخفقت في التعامل مع الموقف وفاقمته نحو منزلق لا يليق بالمرحلة.
عمر الوصاية الهاشمية على القدس اليوم حوالي خمسة وتسعون عاما، بدأت حين بايع أهل فلسطين عامةً والقدس خاصة الشريف الحسين بن علي بصفتيه الدينية والسياسية وصياً على القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية، وقد تم تأكيد هذه الوصاية حديثاً بموجب اتفاقية ابرمت العام 2013 بين الأردن والسلطة الفلسطينية، على المستوى العالمي؛ اعترف إعلان واشنطن بتلك الوصاية وكذلك أكدتها الدول الإسلامية في مؤتمرها الأخير في تركيا.
الوصاية الهاشمية على القدس واكبها منذ بداية المشروع الصهيوني بمساندة إنجلترا في بدايات القرن العشرين تضحيات شعبية أردنية، فهذا الشهيد كايد العبيدات يقول لثوار الأردن الذين اجتمعوا لمقاومة المشروع الصهيوني والاحتلال الإنجليزي: “ان أفضل الموت هو الموت دفاعاً عن أرض فلسطين”، وقد صَدَق الرجل كلامه فعلاً وكان من أوائل الشهداء في سبيل تحرير فلسطين ومقاومة المشروع الصهيوني، وهذا القائد عبدالله التل قائد الكتبية السادسة في الجيش العربي الأردني وقائد القوات العربية في القدس يخاطب جنوده قائلا “أيها الضباط، وضباط الصف، والجنود في الكتيبة السادسة، إن مصير العالم العربي يتوقف على ثباتكم وشجاعتكم وصبركم.. إنكم ولا شكَّ ستحافظون على سمعة الجندي العربي الذي إذا هاجم لا يهاب الموت، وإذا دافع لا يتراجع حتى النهاية، هيا لتبييض أعراض العرب بالدماء، والله ينصركم”.
عملياً على الأرض ظلت المقدسات الإسلامية والمسيحية برعاية الأردن الذي أولاها كل عناية ورعاية، ويشهد بذلك أهل القدس أنفسهم الذي كان الأردن متنفسهم الوحيد وسبيلهم القانوني والعملي لصيانة المقدسات والمرافق العامة الأخرى مثل المدارس وبيوت المقدسيين وعقاراتهم الأمر الذي ثبتهم على الأرض وصان الطابع العربي للمدينة. الأردن في وصايته على القدس لم يمانع أي جهد عربي إسلامي يساهم في دعم أهلها ومقدساتها، بل حض وطالب العالم الإسلامي القيام بدوره، وفي هذا الصدد فإن الأردن لم ينظر يوماً لأي جهد عربي أو إسلامي لنصرة القدس باعتباره منافساً له بل اعتبره مكملاً لدوره الذي قام به دفاعاً عن الأمة العربية ومقدساتها .
واضح اننا في اللحظة الأخيرة لمفاوضاتٍ دولية حول الصيغة النهائية لتصفية القضية الفلسطينية واعلان دولة يهودية على معظم أراضي فلسطين، وواضحٌ ان بعض الأطراف العربية تبحث عن مكاسب اللحظة الأخيرة، وحتى لا يكون هذا الأمر على حساب الأردن كياناً وشعباً، ولا على حساب الوصاية الهاشمية على القدس فإن على البرلمان الأردني – كمؤسسة تمثل الشعب الأردني- قلب الطاولة على مخططاتهم والدعوة إلى مناقشة اتفاقية وادي عربة وطرد سفير الكيان الصهيوني.
أعتقد بأن أقوى رد سياسي وقانوني يمكن أن يصدر عن البرلمان الأردني هو أن يقترح عشرة نواب مشروع قانون يعلن التمسك بأرض الضفة الغربية كاملة وعلى رأسها القدس باعتبارها أرضا أردنية. وأنها أرض محتلة ولا يجوز تغيير معالمها الجغرافية والديمغرافية حسب القانون الدولي، ثم على البرلمان أن يدفع الحكومة باتجاه تقديم شكوى للمحاكم الدولية بإعتبار ان ما تقوم به اسرائيل هو تغيير لملامح “الأرض المحتلة” التي هي جزء من أرض المملكة الاردنية الهاشمية الأمر الذي يتعارض مع القوانين والمعاهدات الدولية التي تمنع المحتل من تغيير الملامح السكانية والجغرافية للارض المحتلة.
على البرلمان الأردني ان يعلن انه في حالة انعقاد دائم وذلك لمواجهة ما تقوم به إسرائيل يومياً من إجراءات تهويدية للقدس، والدعوة لإجتماع عاجل للمؤتمر الإسلامي ولجنة القدس والمؤسسات الدينية المسيحية لإعلان موقف عربي إسلامي مسيحي في مواجهة ما تقوم به اسرائيل والذي يعتبر تمهيدا أو نتيجة لما يسمى بصفقة القرن.
التمسك بالوصاية الهاشمية والسيادة الأردنية على أرض الضفة الغربية هو المدخل الحقيقي للرد على صفقة القرن وعلى تهويد القدس وفلسطين عموماً، ولدي يقين أن السلطة الفلسطينية وحتى حماس سترحب بهذه الإجراءات وستفهمها باعتبارها تحركا سياسيا وقانونيا لحماية الأردن وفلسطين، وأنه لا يفل الحديد الا الحديد. فاهم علي جنابك؟!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock