أفكار ومواقف

تعليم الشعر مهم..!

عندما كنا طلبة في الجامعة الأردنية في مطلع الثمانينيات، علمت من زميل يدرس مساقاً في “العربية” أن أستاذ المساق سيقوم في المحاضرة التالية بتحليل قصيدة محمود درويش “يطير الحمام”. كان أستاذ تلك المادة هو الأديب الناقد الدكتور هاشم ياغي، الذي رحل الآن عن الدنيا، رحمه الله. ويوم المحاضرة، لم تتسع القاعة لطلبة المساق والطلبة الضيوف الذين جاؤوا للاستماع والاستمتاع. وفي الحقيقة، أضافت قراءة الدكتور ياغي إلى القصيدة غنىً كبيراً غاب عنا نحن المهتمين؛ كانت تلك مناسبة رائعة.
ذكرني بذلك مقال في صحيفة أميركية، يجيب فيه مدرّس الأدب في مدرسة ثانوية، أندرو سيمونز، عن السبب في أن تعليم الشّعر مهم. في البداية، يعاتب الكاتب نفسه، ويعترف بأنه من مجموع ما قرأه طلبته في صف الأدب، والمقدر بحوالي مائتي ألف كلمة، لم تزد كلمات القصائد التي درسوها عن مائة كلمة فقط. ويقول: “هذا عار -ليس فقط لأن تدريس الشعر مهم في ذاته، وإنما لأن الشعر مهم لتعليم الكتابة والقراءة أيضاً”.
في الحقيقة، لستُ متابعاً لكمّ أو نوع النصوص الشعرية التي تضمها مناهجنا المدرسية الآن. لكنني أتذكر النصوص الشعرية الرائعة التي قرأها وحفظها أبناء جيلي. وحسب ما أرى من قلة تردد الشعر في لغة الشباب الجديد، وكذلك أداءه اللغوي المليء بالعثرات، فإنني أقدر أحد أمرين: إما أن المناهج خلت من النصوص الشعرية الجذابة، أو أن علاقة معلمي اللغة البائسين بالشعر لا تساعد في إقامة علاقة ودية بين الطلبة والشعر، بقدر ما تصنع النفور. وعلى هامش هذا الموضوع، ألاحظ غياب “اللعبة” المألوفة في أيامنا: “المبارزة” بالشعر، والتباهي بحفظ أبيات وقصائد.
هل كانت العناية القديمة بتدريس الشعر في المناهج المدرسية ترفاً لم تعد تتحمله هذه الأيام الفقيرة؟ أتصور أن تدريس الأدب، بكل مكوناته اللغوية والتاريخية والجمالية، كان الفاكهة اللذيذة في خليط الموضوعات الدراسية الجافة. ولعل أكثر شيء يعلق في الذاكرة من سني الدراسة الأولى، هو بالتحديد تلك القصائد المنتقاة التي ما نزال نردد أبياتاً منها بعد أن بهت كل شيء آخر. أما الأهم، فهو الطريقة التي ساهمت بها تلك القصائد في تكوين أدواتنا التعبيرية ومخزون المفردات التي نعبّر بها عن الأفكار والعواطف، بالإضافة إلى الصحة التي تتمتع بها لغة الأجيال التي شكل الشعر جزءاً من وعيها التأسيسي.
يقول مدرس الأدب سيمونز في تفسير تغييب الشعر من التدريس على هذا النحو: “في مشهد تعليمي يقلل كثيراً من أهمية التعبير الإبداعي لصالح الكتابة التفسيرية، ويعطي الأولوية لتحليل النصوص غير الأدبية، يترتب على معلمي الأدب في المدرسة الثانوية المفاوضة بين تفضيلاتهم، ورؤية وجهة الريح. هذا يعني التضحية في بعض الأحيان، وغالباً ما يكون الشعر هو أول رأس تتدحرج”. ويضيف سيمونز: “مع ذلك، يمكِّن الشعر المعلمين من تدريس طلبتهم كيفية الكتابة، والقراءة، وفهم أي نص. ويمكن أن يزود الشعر الطلبة بمنفذ صحي للعواطف الفائضة. كما يمكن لقراءة الشعر الأصيل بصوت عال في الصف تعزيز الثقة والتعاطف في مجتمع الصف الدراسي، بينما تؤكد أيضاً على مهارات التحدث والاستماع التي غالبا ما يتم إهمالها في فصول الأدب في المدرسة الثانوية”.
من الواضح أن الظاهرة أكثر من عربية، وأن الأسباب والنتائج متشابهة. لكن الشّعر في “العربية” غيره في اللغات الأخرى، كما أعتقد. إنه شيء في نسيج الروح التاريخية للعرب، والوسيلة التي حملوا عليها المعلومة والمعنى، وأقاموا بها الصلة مع الحياة والموجودات. في القصيدة العربية تأريخ للحدث الشخصي والاجتماعي والقومي، ووصف للبيئات والتفاعلات والتركيبات الطبقية والعلاقات. فيها سجل للملاحم والسير ونتاجات الخيال الشعبي، وفيها توثيق لمنظومة القيم وكل شيء تقريباً. لذلك، يعني إسقاط ذاكرة الشعر العربي تغييب جزء مركزي من الثقافة، بالإضافة إلى تضييق مساحة الحسّ الجمالي التي تصنعها القصيدة في الوعي الفردي والجمعي.
لا يتصل غياب الشعر فقط بنوعية لغتنا المتداولة؛ التي أصبحت متهالكة وفقيرة المفردات، وإنما يسبب غيابه فقرا تعبر عنه اللغة. ثمة الإقفار الروحي والجمالي والأخلاقي والمعرفي الذي أصبح يعبر عن نفسه سلوكياً، وبصفاقة، في حراكنا اليومي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. نتمى تنمية المواهب
    أشكرك على اثارة الشعر و تدريسه، كما قلت حضرت في غياب لجماليّة الشعر من المبارزات التي تحفز و تشجع و تثري. أهمية الشعر العربي تتميز بسلاسته فالشعر في الأصل هو الأقرب الى تقبّل اليافعين له بغض النظر عن اهتمامهم بالأدب فهو اقرب للغناء؛ و ما يحصل أنه يظهر معقّد! كنا صغارا نردد الأشعار و نغنيها و الآن الأجيال صامته لا تستهويها اية قصيدة! الشعر يختلف عن باقي الفنون الأدبية أنه سماعي،و هذا ما يغيب عمليا في واقع التدريس، فلو استغلينا هذه الميزة لجذبنا كافة شرائح الدارسين و الطلاب باختلاف قدراتهم و ميولهم،فالطفل الذي ليس مغرما ان يمسك كتابه و يقرأه سيجد في الشعر مرتعا و راحة. بقي من الشعر ما بقي في روح البداوة فشاعت انواع الشعر النبطي، دليل ان الشعر مرتبط باللغة المسموعة مباشرة و الالقاء و الخطاب. مطلوب نرجع الاهتمام بالشعر منذ الصغر فبحور الشعر استياعبها سماعا سلس على الطفل و تنطبق مقولة العلم في الصغر كالنقش في الحجر.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock