أفكار ومواقف

تعليم المنطق.. والتسامح

منذ مطلع التسعينيات تشكلت معادلة صعبة جدا، فرضت أطرها على واقع الحياة في العالم الإسلامي، تمثلت في قناعة تامة لدى المسلمين؛ العرب وغير العرب، بأن ثمة استهدافا واضحا للدين من قبل أعدائهم.
تلك فرضية لا أود هنا إثباتها أو نفيها، فعلى مر العقود الماضية ظهرت نظريات بعضها يمتلك شيئا من الحقيقة، وأخرى مضحكة، لا يمكن أن تستقيم عند إخضاعها للمنطق.
لكن، وبالنظر إلى منطق العامة، لا بد لكل نظرية من أن تستكفي اشتراطات نقاشها لكي يتبين إن كانت قابلة لأن تكون حقيقة وواقعا أم أنها مجرد خزعبلات لا يمكن لها البقاء في أي بيئة صحية كانت أو غير ذلك.
مطلع التسعينيات كان توقيتا حاسما، إذ تم استحداث عدو جديد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وغياب تأثيره ومخاطره؛ اسمه الإسلام.
لكن لم يكن المهم كيف نظر الغرب إلى الإسلام بل الأهم كيف نظر الغربيون إلى هذا الاستحداث الجديد، ففي أقل من عقدين كانت هناك القاعدة وكان هناك داعش.. وأيضا، كان هناك استسلام كلي لما أفرزته هذه الحرب الفكرية التي ظهرت أولا كتنظير ثم استتب لها واقع الأمر.
ما الذي فعلته، حقا، المؤسسة التعليمية الإسلامية لكي تتصدى للهرطقات التي جاء بها مفكرون غربيون، وكيف كانت آليات المقاومة لدى المؤسسة الرسمية بما لا يضعها في مواجهة مع الآخر، الذي يريد بالضرورة اختراع عدو ليظل دائما قادرا على التنظير الكولنيالي، وأيضا بما يحفظ مصالحه القائمة على تصدير المصلحة الخاصة ضمن نظام عالمي لا يعترف إلا بالقوة.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة على وعينا: هل كان يمكن للأحداث أن تتخذ مسارا آخر لو أن المؤسسة التعليمية اختبرت نمطا مختلفا للتعليم، أو أنها لم تصبح مستلبة للنظرية الغربية في ميكانيكية الإفادة والاستفادة والتثاقف؟
هل انتبهت المؤسسة التعليمية إلى أنها بصدد قيادة مئات الملايين من الطلبة إلى طبيعة الصراع في المرحلة القادمة؟
المؤسسة التعليمية أخفقت في بناء مفهوم يؤسس لآلية تسلح الأفراد بالوعي الكافي الذي يمكنهم من الوقوف في منطقة الموضوعية عند تلقي أي رأي يتعلق بالدين الإسلامي أو أحد رموزه ولو كان أكثرها قدسية كالرسول عليه الصلاة والسلام، بحيث يكون بإمكان ذلك المتلقي أن يبقي هذا الرأي في دائرة صاحبه دون أن يتصرف تجاهه على أنه حكم على الإسلام والمجتمع الإسلامي بأسره.
للأسف الشديد لقد أبقت مؤسساتنا التعليمية مفهوم التسامح مع الآخر في قالب مسطح، بينما كرست في الأذهان مفردات قصووية كالإرهاب والتطرف دون تقديم فهم عميق ومتجذر لها يساعد على التفريق بين رأي لا أتفق معه ومخالف تماما لما أؤمن به، وبين فكر ناضج ينبغي النظر إليه على أنه يشكل تهديدا لوجودي أو للثوابت التي يتوجب علي الدفاع عنها.
هل استطاعت المؤسسة التعليمية الإسلامية والعربية أن تبقيني في دائرة الاطمئنان لأفهم بأن جميع الآراء التي سيقت للنيل من الدين لم تشكل تهديدا حقيقيا للإسلام؟ وهل استطاعت أن تطمئنني إلى أن ذلك لا يبرر لي الاتجاه نحو التطرف لكي أدافع عن هذا الدين؟
أظن بأن هذه التساؤلات هي جوهر ما يمكن أن تقوم به المؤسسة التعليمية في مجابهة سؤال الهوية الدينية لكي نستطيع أن نتقدم خطوة أخرى في الاتجاه الصحيح دون أن نبقى مهجوسين بفكرة أننا مستهدفون.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock