أفكار ومواقف

تعليم متقدم وممكن للفقراء

تطبق اليوم على نطاق واسع برامج تعليمية وتدريبية من خلال الإنترنت، ومن الملفت أن أكبر خمسة برامج للتعليم عن بعد تزدهر في البلدان المنخفضة أو المتوسطة الدخل، الهند ثاني أكبر مستهلك لدورات الإنترنت الضخمة والمفتوحة، وفي الصين أكبر بوابة للتعليم، وقد استفاد منها في العام 2018 عشرة ملايين طالب، وأطلقت في البرازيل برامج للماجستير في إدارة الأعمال عبر الانترنت، لكن ضمان جودة التعليم والمخرجات يمثل تحديا أساسيا وخطيرا في مثل هذا النوع من التعليم والتدريب، فما زال خريجو هذه البرامج أقل مستوى في الكفاءة من الذين تخرجوا من المؤسسات والبرامج الشخصية والتقليدية، لكن وفي جميع الأحوال لن تظل الأنظمة التعليمية معزولة عن التطورات والتطبيقات التكنولوجية الجارية، وفي ظل التكاليف والقيود الكثيرة على التعليم والتطور المهني سوف تظل برامج الانترنت خيارا أساسيا ووجهة الطلاب الفقراء الراغبين في المعرفة، ولن يكون أيضا أمام القائمين على هذه البرامج سوى رفع مستوى الجودة وتطوير الأداء لأجل مواكبة الاحتياجات المعرفية والتدريبية. وفي المقابل يجب التذكير أن الجامعات التقليدية تتراجع كثيرا في قدرتها على تقديم المهارات والمعرفة المطلوبة واللازمة، حتى تلك المتطلبات التي صارت تعتبر تقليدية مثل التفكير الناقد وحل المشكلات والتواصل الاجتماعي، أو في تخصصات تقليدية مثل الحاسوب والإدارة.
وقد بدأت جامعات كثيرة حول العالم في تخصيص سنة دراسية على الأقل لبرامج التعليم العام لأجل إكساب الطلاب مهارات معرفية عامة، لكن ما اسمعه وأرجو أن أكون مخطئا من مراقبين وطلاب وأساتذة في الجامعات الأردنية أنه تطبيق لم يكن منتجا برغم أهدافه وأفكاره الجميلة؛ بسبب عدم الجدية وضعف مستوى التدريس، وفي المقابل فإن تقرير البنك الدولي عن التجربة في هونغ كونغ ورواندا وتونس وإسبانيا وجورجيا يؤشر إلى تقدم في الإبداع والتصميم ومهارات التفكير. ويفترض أن التعليم الجامعي يوفر للطلاب مهارات وقدرات سلوكية؛ مثل التخطيط والعمل الجماعي وحل المشكلات، الاستماع والثقة بالنفس، والتفاوض. وتؤشر الدراسات الاستقصائية لأصحاب العمل والمهندسين في كثير من دول العالم المتقدمة والنامية أنها مهارات ذات أهمية تساوي وقد تفوق المؤهلات الفنية والأكاديمية.
وتستثمر جامعات كثيرة في البحث والابتكار، وبعضها معروف ومشهور في هذا المجال يعرض منها تقرير البنك الدولي جامعات ستانفورد وكاليفورنيا وكامبريدج وأكسفورد ومعهد ماساتشوستس، لكن بدأت جامعات في دول متوسطة الدخل تستثمر في البحث والابتكار والتكنولوجيا الحيوية والطب والنانو تكنولوجي والروبوتات، مثل جامعة مالايا وجامعة بكين.
لقد أظهر البحث والتطوير في الجامعات أن فرص الابتكار مستمدة من البيئة الاجتماعية والتعليمية أكثر من الأجهزة والأثاث المباني، وفي مقدور الجامعات والحكومات تحقيق مستوى عالٍ من الأداء بواسطة تشجيع البحث العلمي واجتذاب الباحثين والتركيز على معايير الجودة.
إن الفكرة الأساسية التي يدور حولها المقال أن في مقدورنا أن نطور التعليم الجامعي ليكون متقدما وإبداعيا بالموارد والفرص الممكنة والمتاحة، وما نحتاجه لأجل ذلك أن نحدد بوعي واقتدار الاحتياجات التعليمية والتدريبية والسلوكية، وأن نفحص بإخلاص ونية حسنة مواردنا وقدراتنا الفنية والبشرية، وأن نوظفها أحسن ما يمكن توظيفه، وقد أثبتت التجربة الفعلية أن الهدر والتراجع في مستوى التعليم مرده إلى فشل ممكن تجاوزه وعدم تفعيل الإمكانات والموارد المتاحة، بل وأسوأ من ذلك أننا أنفقنا الكثير لأجل إعداد الكوادر المتقدمة والمؤسسات المناسبة لكن معظم ما ننفقه يستفيد منه غيرنا أكثر مما نستفيد نحن.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock