أفكار ومواقف

تعيينات عليا و”سقطة الشاطر”!

لم تكن غريبة حملة الانتقادات الواسعة والحادة التي وجهت للحكومة ولنواب بعد وجبة التعيينات العليا بمناصب حكومية وشبه حكومية من قبل مجلس الوزراء مساء الاثنين، والتي استدعت تدخلا ملكيا مباشرا وترؤس جلالة الملك اجتماعا طارئا للمجلس، تم خلاله تناول القضية وإرسال أكثر من رسالة ملكية حاسمة للحكومة والنواب في هذا السياق.
“سقطة الشاطر” كان لسان حال أغلب مناصري رئيس الوزراء أو ممن تزيد لديهم حسناته “السياسية” عن سيئاته وينظرون للرجل بمنظار النصف المليء من الكأس، في وصفهم لقرار التعيينات الأخير لأشقاء نواب، خاصة وأن القرارات جاءت دون مقدمات وبصورة مفاجئة للرأي العام، ما أعطى انطباعا عاما بوجود عدم شفافية ومحاباة لنواب وشراء لرضاهم من قبل الحكومة، وهي اتهامات وانتقادات قد لا تكون صحيحة طبعا، لكنها انتشرت كالنار في الهشيم بأوساط الرأي العام.
أما لماذا هي “سقطة الشاطر” فلأن خطاب الرئيس الرزاز اتسم الى حد بعيد دائما بالشفافية والمكاشفة وارتفاع منسوب حساسيته عند التوجه للراي العام، والتروي طويلا باتخاذ القرارات، إلى الدرجة التي يعتبرها البعض سلبية تعكس ترددا وعدم قدرة على اتخاذ القرار بسرعة، وخذ مثلا موضوع العفو العام الذي راوح مكانه لأكثر من شهرين! ليستغرب الرأي العام اليوم سرعة اتخاذ قرار التعيينات الأخير ودون مراعاة لحساسية الرأي العام بذهاب الحصة الأكبر من وجبة التعيينات لأشقاء نواب.
وقد يكون التبرير أحيانا أسوأ من الذنب ذاته؛ فالرئيس الرزاز وضمن تبريره أمام مجلس النواب أمس لملابسات وجبة التعيينات، تساءل باستنكار إن كان لا يحق لشقيق النائب او الوزير التعيين وتقلد المنصب العام؟! والجواب البديهي هو أن العدالة تقتضي ألا يحرم هؤلاء من التعيين، لكن المثير بهذه القصة ان أغلب المعينين بوجبة التعيينات هذه هم من أشقاء النواب، ممن علمتنا التجربة المعاشة ان الحكومات تحرص على كسب رضاهم وتمرير مصالح انتخابية، وأحيانا شخصية، لهم لمساندتها بالملمات.
ثم؛ إن من باب الشفافية وتجنب الشبهات في عالم السياسة والادارة العامة، ان يتم تاخير قريب النائب او الوزير او المسؤول، خاصة من القريب من الدرجة الاولى، عن المنافسة على وظائف عليا أو بعض المنافع العامة كالابتعاث الاكاديمي وغيره، لان النائب المنتخب والوزير المعين لخدمة الناس، لا يجوز أن ينافسهم على ما يملك هو قراره او القدرة على التأثير به حتى لو كان بنزاهة وحكمة لقمان الحكيم. وهو أمر ينطبق أيضا على النقابات المهنية والعمالية مثلا، فلا يجوز ان يعين شقيق او ابن او قريب النقيب او عضو المجلس امينا عاما للنقابة أو مديرا ماليا أو إداريا لها مثلا بدعوى مؤهلاته وكفاءته، فهو، في علم الشفافية، تعيين مشبوه بتضارب المصالح ويمكن ان يفتح بابا لفساد آخر.
وتجاوزا قد يقبل الرأي العام أحيانا تعيينا واحدا لشقيق نائب أو وزير من بين عشرات التعيينات، اما ان تأتي كل التعيينات العليا من هذه الشريحة، فعندها كل بحار الأرض لا يمكن ان تغسل شبهات القرار وصدمته.
وإذا كان حجم الفجاجة الكبير في هذه الوجبة من التعيينات هو ما أثار عاصفة الانتقادات الواسعة، فإن غياب الشفافية واختلال الأسس وعدم العدالة تحضر مرارا وفي الكثير من التعيينات العليا، خاصة عندما يتم الحرص فيها على التوزيعات المناطقية والجهوية بدعوى مراعاة حساسيات المجتمع والناس، وكأن العدالة وتكافؤ الفرص هما اللذان لا يراعيان حساسيات المجتمع ويرفضهما الناس.
وضع أسس واضحة وشفافة للتعيينات والترقيات العليا لا يحتاج إلى كثير عبقرية أو جهد، لكنه بحاجة لإرادة سياسية صلبة وواعية لتطبيقها والتمسك بها و”المباطحة” فيها؛ وإلا ستستمر “سقطات الشاطر” وغير الشاطر وتكثر وتكبر حتى تنتهي آخر قطرة من الثقة العامة بالدولة!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock