منوعات

تغيرات المناخ تؤثر على مناعة الجهاز التنفسي

عمان– هناك أبحاث طبية أظهرت أن التعرض لمناخ شديد التغير بين البرودة والحرارة في فترات زمنية قصيرة يؤثر بصورة خاصة على مناعة الجهاز التنفسي للجسم، لأن الأغشية المخاطية المبطنة للجهاز التنفسي تصد في الظروف العادية الميكروبات المعدية للجسم، ولكنها تتأثر بالتغيرات الجوية الحادة، فيحدث فيها بعض الجفاف والتشقق مما يسهل التصاق ونشاط الميكروبات فيها.


ولابد من توضيح الحقائق التالية: أولا؛ هناك أنواع من الفيروسات والبكتيريا تستوطن عادة بكميات قليلة في الغشاء المغاطي للجهاز التنفسي للإنسان. ثانيا؛ إن الجهاز التنفسي يتعرض باستمرار الى ذرات الغبار الحاملة للميكروبات، وفي كلا الحالتين قد تنتهز أحد أنواع الميكروبات المعدية أي تغيرات فسيولوجية في الغشاء المغاطي، فتتكاثر على حساب الميكروبات غير الممرضة التي تستوطن عادة في الجهاز التنفسي، فتحدث فيه التهابات وأمراضا مختلفة مثل؛ أمراض الأنفلونزا والتهابات الحلق الحادة وذات الرئة وغيرها.


زيادة انتشار الأمراض والميكروبات المعدية


ترجع أسباب زيادة الانتشار العالمي الواسع لبعض هذه الأمراض المعدية في الأعوام الاخيرة، وبخاصة في المناطق الحضرية والمدن لعدة عوامل إضافة للتغيرات المناخية وأهمها: الازدحام السكاني بشكل كثيف وغير منظم في المدن، مع عدم السيطرة على تلوث الهواء والتربة بمخلفات المصانع وعوادم السيارات ومعالجة مياه المجاري بشل كاف، والتخلص من تجمعات المياه والفضلات والمحافظة على نظافة البيئة، ويتبع ذلك عدم الاستمرار او التراخي بمكافحة انتشار البعوض الناقل  للمرض بالمبيدات الحشرية خلال فترة التكاثر ومع بداية ارتفاع درجات الحرارة وتكاثر الامطار الموسمية.


ومن المعروف أن سرعة تنقل الاشخاص المصابين بالأمراض المعدية بالجو والسفن بين مناطق العالم أصبحت حديثا مشكلة تقلق السلطات الصحية في العالم؛ لأنها تساعد على انتشار أوبئة الأمراض خلال فترات زمنية قصيرة للغاية وقبل أن يتم أخذ الاستعدادات اللازمة لمقاومتها. وقد أعلنت جمعية الحفاظ على الحياة البرية في أميركا في تقريرها الأخير العام (2008) بأنه تمت ملاحظة أن هناك 12 مرضا مميتا للإنسان زاد انتشارها بشكل واضح بين البشر والحيوانات والطيور بسبب التغيرات المناخية، ومنها: فيروس انفلونزا الطيو وفيروس الحمى الصفراء وفيروس الحمى النزفية إضافة إلى: فيروس الهانتا الرئوي وفيروس حمى الوادي المتصدع وطفيليلات الملاريا وطفيليات داء النوم فضلا عن طفيليات البابيزيا وبكتيريا الكوليرا وبكتيريا الطاعون وبكتيريا مرض السل.


إصابات مرضية ووفيات بالملايين


ومما يذكر أن كل واحد من هذه الميكروبات المعدية يسبب مئات آلاف الى عدة ملايين من الحالات المرضية والوفاه عند البشر وفي مناطق مختلفة من العالم، ولكن أكثرها يسجل في البلدان الفقيرة والنامية في العالم الثالث. والتكلفة المالية لمكافحة هذه الأمراض تصل الى بلايين الدولارات ولا تستطيع العديد من الدول تحمل هذه التكلفة. وأخيرا، تضم القائمة أنواعا من الطحالب السامة التي تغزو عددا من الشواطئ الملوثة بالمواد العضوية والكميائية، فتسسم الأسماك والأحياء المائية فيها، فتؤثر بذلك على مصادر الغذاء البحري الأساسي لملايين البشر.


والواقع، أن قائمة هذه الأمراض غير مكتملة، فهناك دراسات حديثة تشير الى أن هناك زيادة في انتشار ميكروبات أخرى مسببة لأمراض تهدد البشر والحيوانات وفي مناطق مختلفة من العالم ومنها البلدان العربية، فهناك أنواع من البكتيريا والطفيليات المعوية التي تلوث عادة مصادر المياه وتسبب أوبئة الإسهالات الدموية والتسمم الغذائي، وهناك زيادة في انتشار طفيليات اللشمانيا التي تنتقل من القوارض الى الإنسان عن طريق ذبابة الرمل فتسبب تقرحات الجلد، وهذه الطفيليات تزداد انتشارا مع فترات الجفاف وقلة المساحات الخضراء القريبة من الصحراء كما حدث في الاردن مؤخرا.


مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية


ومن المهم أن نذكر هنا، أن عددا من هذه الميكروبات المعدية أصبحت تقاوم مختلف المضادات الحيوية التي تستعمل في العلاج، فتزيد من تكلفة العلاج وشدة أعراض المرض وتؤدي الى ارتفاع نسبة الوفاة بين المصابين، وأفضل مثال على ذلك ما يتعلق بطفيليات الملاريا وبكتيريا السل المقاومة لعدد من الأدوية والتي أصبحت تمثل مشكلة صحية عالمية تحاول منظمة الصحة العالمية وغيرها من المنظمات التطوعية الدولية العمل بسرعة لاحتوائها ووقف زيادة انتشارها في العالم.


ويتضح مما سبق أن هناك خطرا داهما سيؤثر عاجلا أم آجلا على جميع سكان العالم، وسيكون تأثيره بالتأكيد على سكان البلدان النامية والعربية أكثر. وربما فيما يخص الاردن، نقترح أن تقوم الحكومة الاردنية بتأسيس مجلس علمي مختص بالتغيرات المناخية والبيئية يجمع عددا من العلماء وأهل الخبرة المعروفين في الجامعات والمجتمع المحلي ومعهم ممثلو منظمات المجتمع المدني العاملون فعليا في مجالات المحافظة على البيئة والطبيعة والصحة لوضع خطة عملية تراقب التغيرات المناخية وتأثيراتها بدقة على البيئة والزراعة ومصادر المياه وصحة المجتمع، وعلى المجلس مهمة اقتراح الآليات المناسبة واللازمة لتخفيف أثر التغيرات المناخية المستقبلية على السكان والأرض.


د. عاصم الشهابي


أستاذ الميكروبات الطبية


 كلية الطب – الجامعة الأردنية

انتخابات 2020
18 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock