أفكار ومواقف

تغيرت حياتنا وأعمالنا وسوف تتغير مرة أخرى

عندما نحاول معرفة أو تذكر بدايات أسلوب الحياة القائم والمؤسسات والأسواق والأعمال المحيطة بنا والتي نشارك فيها وتصوغ حياتنا وأعمالنا وعلاقاتنا نلاحظ أنها برغم ألفتنا العميقة معها منظومة بدأت قبل فترة قصيرة، ولم تكن موجودة من قبل؛ كيف كنا ندبر حياتنا وأعمالنا من قبل؟ كيف ندبر حياتنا وأعمالنا في مرحلة جديدة تغير عميقا في هذه المنظومة القائمة من الأعمال والمؤسسات؟
لنفكر في أسلوب حياتنا القائم اليوم، من الطعام واللباس والسكن والإقامة، وما يقوم حولها من استثمارات وأعمال وأسواق بالمليارات، إن جيلي يتذكر بدايات معظمها وكيف أنها لم تكن موجودة، وما يسبق جيلي (مواليد الستينيات) فإنه لا يتعدى جيل آبائنا الذين ولدوا في أوائل القرن.. كل ما لدينا من مؤسسات وأعمال، القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمدارس والجامعات والوزارات والبنوك والأسواق والمدن والأحياء،.. بدأت مع تشكل الدولة الحديثة في العام 1921، وهي فترة قصيرة نسبيا، وبالنسبة للعالم أيضا هي منظومة من الأعمال والمؤسسات بدأت بالتشكل في القرن السابع عشر، ونضجت وترسخت في القرن التاسع عشر، وقبل ذلك كانت الحياة والأعمال مختلفة عما نعرفه اختلافا جذريا.
منظومة الطعام والمائدة القائمة اليوم بدأت قبل فترة قصيرة مرتبطة بشكل أساسي بالثلاجة الكهربائية في المنازل وثلاجات التخزين التجارية، وبالعولمة التي شهدت موجة هائلة من التداخل والهجرات والاحتلال في نهايات القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الأولى، وعلى سبيل المثال فإن البندورة والبطاطا العمود الفقري لموائدنا لم تكن معروفة في العالم القديم ولكن أحضرت من القارة الأميركية بعد اكتشافها ولم تعرف في بلادنا إلا مع قدوم الأوروبيين، وكان الناس يعتقدون أنها سامة، والرز الطعام اليومي المستخدم اليوم لدينا لم يكن معروفا قبل عشرينيات القرن العشرين، وكانت الأطعمة معظمها موسمية تؤكل في موسمها، وتختفي نهائيا من السوق والموائد، ولم تكن متاحة كما اليوم على مدار العام، ولم يكن اللحم طعاما يوميا، بل كان في القرى مرتبطا بالمناسبات والولائم، كالزواج والأضاحي والنذور والولادة والطهور والبيت الجديد والضيوف الكبار، وكانت المائدة تقوم أساسا على التخزين (المونة) من الأطعمة القابلة للتخزين والمجففة والمملحة والمخللة، أو مشتقات الحليب المستمد من تربية المواشي (منوحة)، ولم يكن في عمان حتى أواخر الثمانينيات سوى سوبر ماركت واحد (سيفوي) وافتتح مطعم مكدونالدز في العام 1994 وكان حدثا عظيما. وكان عدد السيارات الخاصة في الأردن العام 1990 في حدود 130 ألف سيارة. هذه المنظومة الواسعة اليوم من المولات والمطاعم والوجبات السريعة وأسواق السيارات والعقارات والأحياء السكنية والتي أنشأت أعمالا وأسواقا واتجاهات اجتماعية واقتصادية واسعة لا يتجاوز عمرها 25 عاما.
طيب! لنفكر في مصير واتجاهات المؤسسات والأسواق والأعمال التي سوف تنحسر وتلك التي سوف تنشأ، ماذا يغير اتجاه الجيل الجديد نحو الطعام واللباس في الأسواق والأسر وأسلوب الحياة؟ ماذا تغير السيارات الكهربائية في أسواق الطاقة وتجارة السيارات وأعمال الصيانة والتأمين؟ إلى أين ستمضي أعمال التسويق وتقديم الخدمات عبر الشبكة باتجاهات الأسواق والمباني التجارية؟ وعندما ينتشر نظام العمل من بعد ماذا سيكون مصير واتجاهات المدن والإقامة؟ وعندما يسمح بالتعليم في المنازل من خلال الشبكة كيف سيكون تصميم البيوت التي تتحول إلى اماكن عمل وتعليم؟ نتحدث عن أعمال وأسواق جديدة وأخرى منحسرة بعشرات المليارات في الأردن وعشرات التريليونات في العالم، ومؤسسات كالمدارس والوزارات تتغير إن لم تتبخر، وعلاقات جديدة بالمصادر والشخصيات التعليمية والإرشادية، ..
لا يمكن في مساحة صغيرة الإحاطة بالتداعيات التي بدأت تعمل وتغير في حياتنا وأعمالنا، ولكننا نفضل الإعراض عنها أو تجاهلها، .. كما المشهد الساخر عن الضيف الذي يحذر الشيخ أو منتحل الشيخة: النار كلت ثوبك، وهو يحسبه يقول شعرا فيردد مستغرقا مع الضيف: ثوبك، فيحذره مرة أخرى: هذي حقيقة مو قصيدة، فيقول في استغراق قصيدة!

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock