أفكار ومواقف

تغيير اللغة

قيل لي مؤخرا، إنه يتوجب عليّ أن أغير لغتي. هكذا ببساطة يريدونني أن أتعلم لغة عربية أخرى، فهم يظنون أن لغتي صعبة، وتشتمل على كثير من المفردات والمصطلحات الصعبة، وأيضاً هناك تراكيب صعبة في الجملة وسياقاتها.
هناك صواب ما في جانب ما من هذا القول، فأحياناً يستسهل الانسان نقل المفردة أو المصطلح كما هو، من دون أن يتعب نفسه بالبحث عن رديف أكثر سلاسة منه. هذا صحيح بالنسبة للمفردة والمصطلح، ولكن مسائل تركيب الجمل والتراكيب اللغوية هي عملية ذهنية تتحكم فيها عوامل كثيرة لا يمكن تغييرها بسهولة.
اللغة حياة كاملة، هي ابنة البيئة والمجتمع والأفراد الذين يعيشون فيه، وتغييرها يتم عبر عملية طويلة وبطيئة، وليس عن وعي كامل، بل عبر الاندماج في عملية التطور البطيئة تلك والتي يتحكم فيها المجتمع بأكمله عبر سيرورته وتطوره، أو عبر مروره بمنعطفات حادة، أو ظرف تاريخي حاد.
بالتأكيد لا توجد “ذات” منغلقة، أو “أنا” متقوقعة، فالتأثير والتأثر سمتان راسختان في التعاطي مع الدوائر القريبة، أو المجتمع المحيط. هذا بالنسبة للإنسان الفرد، لكن المجتمع هو الذي يصوغ الثقافة والوجدان، وبالتالي يصوغ اللغة، واللغة التي يكتسبها الإنسان ويطورها عبر مراحل عديدة من عمره أمر آخر، فهي حصيلة المجتمع بأكمله، وتغييرها يستلزم تطورا مجتمعيا أو تغييرا كبيرا.
بالنسبة للفرد الواحد، فلكي تغير لغتك، لا بد أن يحدث تغيير جذري في حياتك. لا بد أن تتعرض لتجربة حياتية ما تسهم في إزاحات قليلة في اللغة. الدخول في دراسة جديدة يمكن أن يحدث أمرا كهذا، وربما تجربة الإقامة في بلد آخر تفتح المجال أمامك للتعاطي مع ثقافة أخرى، أو خصوصية مجتمعية جديدة لم تختبرها في مجتمعك. حتى الانتقال الداخلي من مدينة إلى أخرى قادر على إحداث مثل هذا التغيير، فمن خلاله يطرأ تغيير بالمجتمع وبدائرة المعارف، وأيضا بالاهتمامات. حتى التعرف إلى امرأة جديدة تدخل حياتك، يمكن له أن يجر إلى وعيك تغييرا ما.
لعل التأثير الأهم في هذا السياق هو تعلم لغة جديدة، فحينها أنت لا تتعلم مجموعة من المفردات والمصطلحات والسياقات، فحسب، بل تستكشف ثقافة أمة أو شعب كامل، وكيفية تعاطيه مع الأشياء والأحداث؛ كيف يستولي عليه الحزن، وكيف يعيش الفرح. ما الذي يهزه بعنف، وما الذي يؤثر في وجدانه، ما هي قيمه ومفاهيمه للخير والجمال، وما هو الشر في مفهومه، وكيف يدينه.
يخطئ من يظن أن اللغة مجرد مفردات ومصطلحات وسياقات بما هي أداة تواصل، فالتواصل في اللغات يتعدى الخطاب المباشر إلى شمول جميع نواحي الحياة بها.
تعلم لغة جديدة يمكن أن ينعكس بوضوح في لغتك الأم، وحينها سترى إزاحات واضحة في لغتك، وسياقات أخرى ما كان يمكن لك التفكير فيها سابقاً، عكستها التأثيرات التي تعرضت لها في تعاطيك مع ثقافة أخرى.
من دون مثل هذه التأثيرات الحاسمة، ستكون محاولاتك تغيير لغتك أشبه بمحاولاتك تغيير بصمة إصبعك!

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock