أفكار ومواقف

تفاعلات التكنولوجيا والديمقراطية

      هل تغير التكنولوجيا الحديثة القائمة على الاتصال والمعلوماتية والتي يعبر عنها بمرحلة المعرفة أو مجتمعات المعرفية في علاقة الدول بالمواطنين والمجتمعات، وتغير من أساليب الإدارة السياسية والاجتماعية، فتنتقل بها إلى مزيد من الديمقراطية، أم أنها تؤدي إلى زيادة الاستبداد والتحكم بالافراد والمجتمعات؟


 


      يقدم كتاب يحيى اليحياوي “التكنولوجيا والإعلام والديمقراطية إضاءات مهمة وملفتة  في هذا المجال” وقد أتاحت التقنيات الحديثة حرية غير مسبوقة في الوصول إلى المعلومات، وهو مايبدو واضحا في الفضائيات وشبكة الإنترنت، أو ما يمكن تسميته بالديمقراطية الإلكترونية، وهي عمليات تفعل حريات التعبير والمعرفة وتداول المعلومات وكسر احتكارها.


فالديمقراطية الإلكترونية –على الأقل في ذهن المعتقدين بها- إنما تقدم هنا لا في كونها نقلا لفضاء الانتخاب من الصندوق إلى الشبكة، بل على الأقل سبيلا يتيح للمواطنين بلوغ ممثليهم ومساءلتهم دون حاجة تذكر إلى البحث عنهم بين أروقة البرلمانات أو في متاهات المكاتب وقاعات الاجتماعات.


 


    وتبدو الشبكات الإلكترونية وسيلة لدفع العازفين عن المشاركة في العمل السياسي للمساهمة في تحديد حال ومآل الشأن العام، إذ أن تعذر سبل التعبير المباشر لا يوازيها في المحصلة إلا إمكانية اللجوء للشبكات التلفزيونية كما الإلكترونية لبلوغ من بيدهم الحل والعقد.


 


     وفي المقابل فإن الدول ومؤسساتها التنفيذية والشركات تستخدم التطورات التكنولوجية للتضييق على حريات الأفراد والجماعات ومراقبة تحركاتهم، وتحول الإنترنت إلى أداة استخبارية للتجسس، ولم يعد للأفراد حق في خصوصيتهم وفي سرية سجلاتهم، بل أضحت الحقوق كلها مستهدفة، وغير ذات قيمة أخلاقية.


 


وقد أظهرت أحداث 11 أيلول كيف استخدمت التقنيات في الديماغوجيا والعنف والتشدد على جانبي الصراع الأمريكي والأصولي، فقد جرت دعوات وحملات شاملة للانتقام من العرب والمسلمين والإساءة إليهم بدون وجه حق، وشوهت الحقائق، وجرى إلزام إعلامي باعتماد مقولات التطرف الأمريكي وتعميمها على الإعلام العالمي، وسوقت استراتيجية للخوف والخرافات استخدمت في تغييب الحوار والحرية، وأتاحت المجال لنازية جديدة جماهيرية وطاغية ومزودة بالفضائيات والإنترنت والإغراق والإغراء الإعلامي.


 


 حتى وجود الإعلام الحر كما يظهر في الفضائيات العربية لا يدل على الديمقراطية، إذ أن الحياة السياسية لا تتحدد فقط بمدى قدرة الجماهير على بلوغ الخبر أو تمكينها منه، عبر صحافة مكتوبة أو مسموعة أو غيرها، بل تتحدد أساسا وقبل ذلك بمدى تمثل الجماهير لدور الأحزاب ولنظم حراكها بغرض تأطيرها، أو في سبيل تبوء السلطة وأيضا بتوافر آليات تجعل التداول على تدبير الشأن العام أمرا واردا بل وضروريا.


 


إضافة إلى ذلك فإن حصول الفرد على الخبر في حالة شفافية سريانه ليس هدفا في حد ذاته في نظام ديمقراطي بقدر ما هو يجب أن يكون إن لم يكن وسيلة تغيير فعلى الأقل عامل تأثير.


 


     ويعد نظام إيشلون التجسسي التقني أحد التداعيات التكنولوجية الكبرى للحرب الباردة، فقد تحول هذا النظام التقني إلى شبكة تجسس عملاقة عسكرية ومدنية، ويسجل معظم أنواع المعلومات المتداولة في شبكات الاتصالات، والتي تعالج في محطات ضخمة في الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندة، لتوضع بين يدي وكالة الأمن القومي في الولايات المتحدة الأمريكية.


 


ويستخدم النظام أقمارا صناعية عالية المستوى التقني، ومحطات هوائية كبرى، ولاقطات للمكالمات الهاتفية والفاكسات والبريد الإلكتروني، ويخترق الشيفرات، ويعمل فيه جيش من المهندسين والتقنيين والضباط والخبراء، وترصد له ميزانية سنوية تتجاوز العشرة مليار دولار.


 


إن نظام إيشلون يضع تساؤلات جوهرية ومهمة حول الديمقراطية والمواطنة والخصوصية والأهمية الدستورية والأخلاقية للتشريعات والاتفاقيات والتقاليد العامة في الحياة والعلاقات الدولية.


 


وقد نشأت مؤسسات إعلامية عملاقة ليس فقط فيما تمتلكه في قطاع الإعلام والمعلومات والاتصال والعقارات والأوراق المالية ، وفروع ومكاتب وتغطيات تشمل معظم دول المعمورة، بل وفي أعمالها وترابطاتها الإستراتيجية ومدى تمكنها من مستويات عليا في السياسة تجعل منها في المحصلة دولة داخل الدولة.


 


هذه الإمبراطوريا الإعلامية المتشكلة من عناصر متباينة هي في كل الأحوال تضييق على حرية التعبير والتفكير وتهديد لمبادئ الشفافية والسريان الحر للمعلومة والخبر الذي هو جوهر الديمقراطية وإحدى وسائلها الثابتة، وهي لا تحتكم في اشتغالها وفلسفتها لرهانات إعلامية واضحة بل تبقى في الغالب الأعم محكومة بالاعتبارات المالية والاقتصادية، وبالتالي فكل العملية تغدو متمحورة حول السياسة العامة للمجموعة، لا حول سياسة إقطاعية متناسقة ومهيكلة.


 


       وقد حصلت هذه المؤسسات العملاقة أو الإمبراطوريات الإعلامية على مزايا وتسهيلات حكومية وعقود احتكارية تحولت معها بحكم القانون إلى مؤسسات محصنة وخارجة على القانون والأعراف، وفي مأمن من التنافس والتشويش أيضا.


 


وبدأت شركات تعمل في مجال الكهرباء والتصنيع والتجارة العامة في امتلاك محطات فضائية وإعلامية عملاقة، أو تدخل قطاع الاتصالات والمعلوماتية بقوة مالية كبرى موظفة الخبر والمعلومة لصالحها، ومستخدمة القوة الإعلامية لحماية تجاوزاتها وانتهاكاتها.


 


ولكن في جميع الأحوال فلا بد من الاعتراف بهذا الحق المكتسب والاعتراف به أيضا أداة للمجتمع يجب صيانتها وتوفيرها، والكف عن مقاومتها ومحاولة إضعافها وإفشالها، لأنها عمليات تضيع الوقت والجهود، وتسعى نحو المستحيل، فقد أصبحت تقنية الاتصال والمعلوماتية موجة عاتية يستحيل وقفها أو السيطرة عليها بالأدوات والمفاهيم التي كانت قائمة أيام الرقابة السابقة، فهي متاحة تقنيا وواقعيا وبتكاليف قليلة وتطبيقات مختلفة وبسيطة تتجاوز كل الحواجز التي كانت قائمة.


 


      وعمليات التربية والتعليم، سواء كانت متعلقة بالمدارس والجامعات والمؤسسات والمدرسين والمناهج أصبحت عرضة لتغيير جوهري وجذري، يطال كل ما درجت عليه العمليات التعليمية في العقود الماضية، لتتحول إلى هياكل وأدوات جديدة توظف التقنية القائمة فتلغي كثيرا مما كان قائما وراسخا، وتفرض وسائل ومداخل جديدة للتعليم مختلفة كليا عن معطيات وأدوات ومدخلات التعليم القائمة.


 


وليس مبالغة القول إن الجامعات والمدارس تواجه تحديات تطال الأسئلة المنشئة لها وتراجع على نحو استراتيجي مبرراتها وفلسفتها التي أنشأتها، فاقتصاد المعرفة الجديد يعني بالضرورة مدارس وجامعات جديدة، وكما عصفت التقنية الصناعية بالمؤسسات التعليمية التقليدية التي كانت قائمة في المجتمع الزراعي، فإن مرحلة المعرفة والمعلوماتية ستعصف بالمؤسسات القائمة والتي أوجدتها المرحلة الصناعية الآفلة.  


 

انتخابات 2020
28 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock