أفكار ومواقف

تفاعلات “كورونا”.. أكثر من مجرد إجراءات..!

شهد العالم الكثير من الأوبئة في العقود الأخيرة –السارس، والإيبولا، وإنفلونزا الخنازير، وإنفلونزا الطيور، وغيرها- لكن «كوفيد-19» (كورونا) يصنع حالة فريدة لم يشهد العالم مثلها منذ زمن. فبالإضافة إلى الاستجابات الرسمية والإجراءات الوقائية والإعلامية والتثقيفية، ثمة تفاعلات أخرى متصلة بالوباء.
تثير تعاملات البشرية مع هذا الفيروس تأملات فكرية وفلسفية ونقدية، وتنتج أدبيات جديدة. ويرصد الأكاديميون والمفكرون الدوافع والعلاقات والاستجابات الجمعية والفردية التي تتخطى مجرد التعامل المخبري والإجرائي الأصم مع الفيروس. وتشهد اليوميات البشرية خبرة غير مألوفة وبنطاقات واسعة: الحجر على سكان مدن بأكملها؛ وقيود السفر؛ ووقف الأنشطة العامة والتجمعات؛ والانعزال واختزال التواصل؛ والوسواس القهري الذي ينجبه التعامل مع مهاجم هوائي غادر.
ثمة البيئيون، الذين يجدون في الوباء نصيرا غير متوقع لأطروحاتهم. ويكتب المؤرخ والاستراتيجي البيئي الأميركي، فاغيلوس فاليناتوس: «لا أدعي معرفة أصل فيروس كورونا: مصدر حالة الطوارئ الصحية العالمية الحالية… (ولكن) ليس من الإفراط التكهن بأن أصل فيروس الوباء يتجذر في الآثار الضارة التي تركتها البشرية على العالم الطبيعي -أمنا الأرض. وينبغي لعلماء الأحياء أن يطرحوا السؤال العلمي والفلسفي عما إذا كانت الحياة البرية المستقرة يمكن أن تشكل مصدراً للأمراض الفتاكة. أشك في ذلك. إن الأمراض تأتي من الاضطرابات البيئية…» التي يصنعها البشر.
وثمة الذين يرصدون سلوك نظريات المؤامرة، واصطياد الإيديولوجيات في المياه العكرة لعدم اليقين الذي يكتنف المشهد العالمي الآن بسبب الوباء. ومن هؤلاء آلان ليفينوفيتز، الأستاذ المساعد في الفلسفة الصينية والدين الصيني بجامعة ماديسون، الذي يكتب:
«كثيراً ما تتجاوز الاستجابات المدفوعة إيديولوجياً لـ»كوفيد-19» مجالات الصحة والطب، وتصبح سياسية لاهوتية بالدرجة الأولى. يرى الساسة اليمينيون المتطرفون في جميع أنحاء العالم أن الفيروس عقاب على الحدود المفتوحة؛ ويراه المتعصبون المتدينون عقاباً لنا على خطايانا. وعلى الرغم من أن هذه التفاعلات وردات الفعل تبدو غير ذات صلة، إلا أنها تشترك في ميزة أساسية… إنها جميعا تستغل الرغبة الإنسانية في ثنائية تبسيطية تفسر الخير/ الشر، والتي يتم التعبير عنها تقليديا بالنظم الطبيعية وغير الطبيعية. أطِع قوانين هذه النظم وازدهر. أو لا تطعها وعانِ».
ويضيف: «عندما يلقي جيسي واترز، مذيع قناة «فوكس نيوز»، باللوم في كورونا على ‘أكل (الصينيين) الخفافيش والأفاعي النيئة’، فإنه يستفيد من شعور بدائي بأن الأجانب أناس غير طبيعيين وغير أخلاقيين (يأكلون الكلاب أيضاً!)، دونيين ومُعدين –أجسام غريبة تهددنا جسديا وأيديولوجيا. ومن هناك، مجرد خطوة قصيرة نحو تشديد الحدود لحماية صحة الأمة».
في انتشار كورونا فرصة ثمينة للشعبويين لتأكيد صلاحية فكرتهم عن ضرر الحدود المفتوحة وويلات الانفتاح على الآخر. وفيه فرصة للاهوتيين للعبث بمشاعر الذنب لدى الجمهور الذي تسببت خطاياه في جلب غضب السماء، وكورونا. وفيه فرصة لتصفية الحسابات بين الدول، من الشماتة بالخصم وتدمير سمعته واقتصاده، إلى العبث الإلكتروني ببيانات الوباء عنده لتعميق الأخطاء في الاستجابات وإرباك التقديرات، ومفاقمة أزمة المرض حيث أمكن.
وهناك أيضا نوع من «جرائم الكراهية» خاص بكورونا. على سبيل المثال، ذكرت الأنباء أن أميركياً طعن آسيوياً ثلاث عشرة طعنة بسكين في بروكلين، الولايات المتحدة –لمجرد أن له ملامح آسيوية. وتعرض أشخاص من خلفيات صينية وآسيوية في إكستر لاعتداءات جسدية ولفظية على أيدي مجموعات من الناس هناك. وتعرض الضحايا -ثلاثة منهم طلاب- للكم والركل والبصق وصرخات: «عد إلى بلدك -يجب أن أن تكون مصاباً بكورونا». وهناك العشرات من مثل هذه الأخبار في كل مكان.
هنا، في الأردن أيضاً، رفض سائق سيارة أجرة نقل مواطن ورث ملامح آسيوية عن والدته. وفي لبنان، شكا طالب صيني من تنمر الناس عليه في الشوارع ومناداته بـ»كورونا». ويتوسع نطاق التغيرات السلوكية لتشمل المواقف تجاه أي قادمين من بلدان انتشار الوباء، والميل إلى تجنبهم والنظر إليهم بشك. ويتحدث جماعة الصحة النفسية عن عوارض «الوسواس القهري» المتصلة بالمرض، والتي قد تبقى عند صاحبها بعد ذهابه.
في الحقيقة، يصعب رصد أنواع التفاعلات التي يولّدها كورونا، التي تتراوح من التأمل الفلسفي، إلى النقد السياسي، إلى التحولات السلوكية والعوارض الأخلاقية الفردية والجماعية. لكن تقدم الوباء يستخرج الكثير من الكوامن ويثير المزيد من التأملات، وينتج الكثير من الأدبيات.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock