أفكار ومواقف

تفجير القصر الجمهوري في دمشق

لستُ متنبئاً كما جرت عادة الكهنة والعرافين في أوائل الأعوام الميلادية، ولا أنا بـ”الإرهابي” الذي يؤيد حدوث مثل هذا ويدعمه، ولا أتمنى أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه في عاصمة الأمويين، لكنها القراءة للأحداث التي تتوالى تباعاً هناك.
قلنا وقال كثير من الناس: العنف لن يأتي إلا بالعنف. وما يسمى بالحلول الأمنية ليست حلولاً ولا تحقق أمناً. وما يبحث عنه بشار الأسد وزبانيته الآن من حوار وطني ومن إعطائهم فرصة للإصلاحات كان الشعب منذ 40 عاماً يتمناها ويرجو قيادته من أجلها، ولكن استمرار الإجرام والقمع بصورة لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، أغلق كل أبواب الحوار، وقضى على أي احتمال للإصلاح المزعوم، وجعل سقف المطالب الشعبية مرتفعاً إلى درجة إعدام الرئيس ومعاونيه في آلة القمع والإجرام، وقد فوتوا على أنفسهم من الفرص الشيء الكثير وما يزالون، ولسان حالهم يوافق مثلاً سمعته من جدتي -رحمها الله- عندما كانت تروي قصة رجل يشكر طبيباً بيطرياً عالج عنزة له ضربها الراعي بحجر فكسر رجلها، قائلاً: “الله يرحم اللي جبّرها”. فقال الطبيب: “الله يرحم اللي جبرها قبل ما تنكسر”.
كان بالإمكان ألا تنكسر، وكان بالإمكان أن تبقى سورية كما يقول أهلها “واحة أمن وأمان” و”بلد الصمود والتصدي”، ولكن لم يشأ “الممانعون الجدد” ذلك، فأوردوا شعبهم المهالك، وقضوا على كل أمل ببقائهم على رأس السلطة.
هي ليست بشرى أن نقول إن دمشق ربما تكون بغداد الثانية، إلا أن متابعة الأمور عن كثب تشير إلى قدوم غمامة سوداء ربما تخيّم فوق الفيحاء فلا يزهر الفل في ربيعها هذا العام. وعلى النظام -إن كان لديه بقية من مشاعر تجاه هذا البلد- أن يتعظ مما حدث ويحدث، وأن يقدم مصلحة العام على الخاص، ففي المحصلة النظام مجموعة أفراد، وهم إلى زوال مهما طال بهم العهد، والبلد باق ما بقيت الدنيا.
رسالة العنف المقابل أرسلها من أرسلها أولاً منذ شهرين تقريباً عندما تم استهداف مقر حزب البعث في قلب دمشق، وذلك ليقول إننا نستطيع أن نخدش كبرياء السلطة في حزبها القائد. ثم كان التصعيد الآخر بالوصول إلى عرين القبضة الأمنية في دمشق، وتفجير مبنى الإدارة العامة للمخابرات وأحد الفروع الأمنية الأخرى.
اختلفت الروايات والتحليلات حول هذا التفجير، فمن قائل إن النظام هو الذي دبّر هذه الجريمة لتصفية عدد من عناصر الأمن الذين كان يخشى انشقاقهم، أو لإعدام عدد من المتظاهرين والمعارضين بطريقة التفجير والتشظية، أو أنه جاء بجثث المتظاهرين من ساحات القتل وألقاها في المبنى بعد افتعال التفجير في ساعة من صباح يوم الجمعة حيث لا يوجد فيها نشاط بشري في ذلك المكان، ثم تحميل “القاعدة” المسؤولية مباشرة بعد التفجير بدقائق.
لا يخفى أن النظام الأسدي يقوم على الفبركة والكذب في معركة وجوده، مثلما كان يفعل أقرانه القذافي وصالح وغيرهما من قبل. ولكن هذه الفبركة مكشوفة لدرجة السخف، حيث أعلنت وسائل الإعلام الأسدية قبل التفجير بيومين، نقلاً عن مسؤولين لبنانيين، تسلُّل عدد من عناصر “القاعدة” من لبنان إلى سورية عبر بلدة “عرسال”. ولكن لم يقل أحد لنا لماذا لم تتم ملاحقتهم والقضاء عليهم؟ وعموماً، كان يظهر من ذلك وجود تدبير ما سيقدّم للعالم، وقد كان تفجير المخابرات في دمشق.
الأمر الثاني هو إنشاء الأذرع الإلكترونية للنظام موقعاً مفبركاً على الإنترنت للإخوان المسلمين قبل التفجير بثلاثة أسابيع، ثم المسارعة إلى تبني عملية التفجير في الموقع، ليظهر للعالم أن الإخوان المسلمين هم من قاموا بذلك، وهو ما نفته وكشفته قيادة الجماعة فوراً.
إن بقيت الأمور على ما هي عليه (وبخاصة أن عمل وفد الجامعة العربية لا يبشّر بخير، ويعطي إشارات غريبة عن تواطؤ مستهجن من الجامعة العربية مع آلة القتل الأسدية)، إن حدث ذلك، فليس مستغرباً أن نقرأ على شاشات التلفاز خبراً عاجلاً مفاده: “تفجير القصر الجمهوري في دمشق”!

‫2 تعليقات

  1. ارسى على بر
    تقول أن التفجيرات جاءت لتخدش كبرياء النظام ووصلت الى عرين القبضة الأمنية ثم تقول انها مفبركة من قبل النظام في يوم الجمعة. ارسالك على بر لو

  2. تعجبني موضوعيتك
    اتابع مقالاتك استاذ اسامة ويعجبني كثيرا متابعتك للحركات الاسلامية وحوار الاخوان المسلمين مع الغرب الذي يتكشف كل يوم، وتعجبني ايضا موضوعيتك في القضية السورية حيث لم يتأثر موقفك بخصومتك مع الاخوان ووقفت الى جانب الثورة السورية

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock