أفكار ومواقف

تفسير أولي لتراجع الأحزاب

يتحدث كثيرون، ويكتبون ويؤلفون، عن ظاهرة تراجع الأحزاب والعمل الحزبي، وبخاصة تراجع الأحزاب القومية واليسارية في بلدان العالم العربي، عما كانت عليه إبان الحرب الباردة.
وفي تفسير ذلك، يمكن القول إنه لما كان جميع تلك البلدان -ما خلا السعودية واليمن- خاضعاً للاستعمار، فقد كان طبيعياً، حسب نظرية التحدي والاستجابة مثلاً، أن تنشأ تنظيمات وأحزاب وجماعات وحركات سياسية لمقاومته. فقد كانت تلك التنظيمات والأحزاب والجماعات والحركات استجابة للتحدي أو للخطر الاستعماري، وكان الناس ينضمون إليها أو يؤيدونها.
وقد استمرت شعبية تلك الأحزاب والجماعات بعد نيل الاستقلال، لأنه خلا -إجمالاً- من الحرية بمجيء أنظمة حكم وحكومات أشد قمعاً واستبداداً منه. وقد تصاعدت شعبيتها بالتحدي والاستقطاب الذي كان سائداً بين المعسكرين إبان الحرب الباردة؛ الشرقي أو الشيوعي أو اليسار بزعامة الاتحاد السوفيتي؛ والغربي أو الرأسمالي أو اليمين بزعامة الولايات المتحدة، وانقسام دول العالم وشعوبه بينهما.
كان على نظم الحكم أو الحكومات، والأحزاب والجماعات والحركات السياسية، أن تقول كلمتها وأن تتخذ موقفاً؛ فانقسمت إلى حكومات وأحزاب يسارية قومية أو شيوعية أو اشتراكية معارضة للأنظمة أو الحكومات اليمينية، أو إلى حكومات وأحزاب يمينية، معارضة للأنظمة والحكومات اليسارية.
ولخشية كل نظام حكم أو حكومة من المجهول، فُرضت حالة من الطوارئ أو الأحكام العرفية الدائمة على الناس. باشتداد الصراع بين الشرق والغرب في مناسبات وأحداث عدة، ودخول قضية فلسطين على الخط، اشتد قمع الأنظمة واستبدادها في الاتجاهين.
هكذا أصبح الضغط أو التحدي على الفرد أو الحزب أو الجماعة شديداً، وكانت الاستجابة مساوية له في المقدار ومضادة له في الاتجاه. صار الانضمام إليها والانخراط في أنشطتها أو تأييدها، بطولة تثير الإعجاب.
ولما كان الناس في تلك الفترة يعيشون عيشة الكفاف -إجمالاً- في اقتصاد الكفاف أو الاقتصاد المختلط، فقد كانت حاجاتهم أولية ومحدودة؛ كماً ونوعاً. كانت الأسرة -عموماً- منتجة، ولذلك كان الفرد المنظم سياسياً قادراً على الصمود، والأسرة كذلك إذا اعتقل أو سجن ربها أو أحد أفرادها مدة طويلة.
أما وقد انتهى -نسبياً- الاستقطاب بين الشرق والغرب بانهيار الاتحاد السوفيتي وكتلته، وبانتهاء التاريخ أو الصراع الدولي كما ادعى فوكوياما، فقد خبا سحر الأيديولوجيات -ما عدا الأصولية- وحلت العولمة والاقتصاد الاستهلاكي محلها، وتحولت الأسرة من منتجة إلى مستهلكة، حتى في الريف والبادية؛ ومن قادرة على الصمود، إلى هشة ولو بقشة. وقد انعكس ذلك سلبياً على الحزبية في كل بلد؛ فتراجعت الهمة أو المخاطرة الحزبية، لأن الأسرة صارت تجوع إذا اعتُقِل  ربُّها أو أحد أفرادها الموظفين أو سجن. صارت الأولوية عند معظم الناس تحصيل أعلى راتب أو دخل، وامتيازات وسكن وتقاعد ممتاز، والانغماس في الاستهلاك.
ولما كانت تجربة الحرب الباردة عالقة في الأذهان، فلم يثق الناس بالحرية والديمقراطية التي تبنتها كثير من الحكومات بعد انتهاء الحرب الباردة، وإن بدا للمراقب عكس ذلك بكثرة الأحزاب المسجلة أو المرخصة التي قلما ينضم إليها أحد أو يبقى فيها مدة طويلة.
هكذا نشأ فراغ حزبي يساري في بلاد العرب والمسلمين ملأه الإسلام السياسي (بالنقابات والشارع) الذي اشتد عوده بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967 للعسكر ولليسار برمته. ثم أطلق “الإسلام السياسي” أو انطلق بجهاد الإيمان في بلاد الأفغان الذي عجل في انهيار الاتحاد السوفيتي وكتلته، ليتحول فيما بعد إلى إرهاب يستقطب بالتحدي والمخاطرة والوعود بالسلطة والجنة والجنس كثيراً من الشباب والناس المهووسين دينياً. وأمام هذه الحالة، لجأت كثير من الحكومات إلى استنهاض العشائرية والجهوية والطائفية والمذهبية لمواجهته. وكانت النتيجة كارثية؛ ببروز الهويات الفرعية على حساب هوية الدولة المشتركة، وتراجع هيبتها (الدولة) وسلطتها لصالح تلك الهويات.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock