أفكار ومواقف

تقبل الآخر.. بين الخطابة والحقيقة

الخطاب العربي الإعلامي والثقافي، وحتى الديني، زاخر بمفاهيم  الوسطية والاعتدال وتقبل الآخر، لدرجة أن البعض لا يرى ضرورة لوجود أحزاب وسطية؛ فالشخصية العربية وسطية، ومن غير اللائق أن تحتكر فئة بعينها هذه الخاصية الثقافية التي يتحلى بها الجميع.
الوسطية والاعتدال وتقبل الآخر، هي قيم وأهداف جرى العمل على اشتقاقها من رسالة الإسلام، وتضمينها في كتابات وأوراق ومؤتمرات وحوارات مع أتباع الديانات الأخرى، لتقديم صورة الإسلام للآخر. والتوصيف الذي نقدمه للدين، عندما نتحدث عن قيم الإسلام مستندين إلى القرآن الكريم والسُنّة النبوية، مثالي، وله وقع مريح على السمع. لكن الصورة التي يرسمها الخطاب لا تتطابق مع واقع الثقافة العربية، ولا ممارسات كثيرين منا.
العرب من أقل الأمم تقبلا للآخر. ففي التاريخ العربي كانت القبائل هي التنظيمات الاجتماعية السائدة، وكانت الحروب والغزوات جزءا من الواقع المعاش لهذه القبائل. وحتى بعد الإسلام، اغتيل خلفاء، وانشقت القبائل والعائلات، مؤسسة ممالك خاصة بها، أخضعت غيرها بقوة المال والسلاح. إذ تأسست الخلافة الأموية، فأصبح فيها بنو أمية أسرة حاكمة بقوة السلاح وشرعية الدين، إلى أن جاء العباسيون، فانتقل الحكم إلى قبيلة أخرى وعاصمة أخرى. واستمرت الأمة قبائل تقاتل قبائل، حتى يومنا هذا.
في الفترات التي ساد فيها الاستعمار الغربي، كان العرب يطالبون بالحرية، ويدعون للثورة على المستعمِر، والتخلص من الاستبداد. وما إن انتهى الاستعمار، وتأسست الكيانات العربية التي حملت وعود الحرية والإخاء والعدل والحياة الفضلى، حتى أدرك الحكام الجدد استحالة تنفيذهم لوعود الثورات التي انطلقت؛ فكان أن غيروا من استراتيجياتهم بحجة الحفاظ على الأمن والاستقرار، فأصبحوا في غالبيتهم حكاما مستبدين، لا يسمحون لأحد بالتعبير عن غير الإشادة بعبقريتهم وعدلهم ونزاهتهم وورعهم.
ومن ثم، فإنه في العالم العربي، وبالرغم من بعض التقدم المحرز على مؤشرات التعليم والصحة والعمل، إلا أن القيم والاتجاهات والممارسات فيه لم تتغير؛ إذ إن إرادة الشعوب تم اخضاعها بالقوة، فهيمن الحكام، عموماً، هيمنة كاملة على مجتمعاتهم، ولم يسمح بظهور الاختلاف، ولا تقبله إن ظهر. فالمعارضة فكرة غير مقبولة، والأحزاب لا يسمح بها إلا إذا كانت تجميلية، وبلا أهداف حقيقية.
كنتيجة لهذا الواقع، وغياب مشاركة الجماهير في صناعة القرار أو تغييبها، فقد أصبح من الصعب على الأمة أن تبني نفسها من دون تدخل الحاكم المستبد. ولاحظنا خلال الأعوام الأخيرة كيف دخلت الأمة في حالة من الفوضى التي أعقبت انهيار النظم الاستبدادية. فقد عجزت الشعوب العربية، في كثير من البلدان التي اجتاحها “الربيع العربي”، عن بناء أنظمة بديلة، فدخلت في صراعات  قبلية وطائفية لا تنتهي، من دون سبب واضح أو رؤية واضحة.
ففي ليبيا، الجميع يقاتل الجميع، ولكل أهداف لا ترتقي إلى أن تكون أهداف شعب أو أمة. ولا تختلف الحال في سورية أو العراق أو اليمن… فالجميع يقاتلون، يرون غيرهم على ضلال، وهم على حق؛ فلا وسطية ولا اعتدال ولا تقبل للآخر.
من بين الصراعات التي يشهدها العالم اليوم، هناك صراع أو مشروع صراع في معظم البلدان العربية. فالشعوب العربية هي الأكثر تقتيلا وتهجيرا وتشريدا، والإقليم العربي ما يزال الأكثر إقبالا على استيراد السلاح، والأكثر تشظيا وإنتاجا للموت والدمار. ومعظم الرؤساء والزعماء لا يتقبلون فكرة أنهم عديمو الصلاحية، وأن الشعوب لا تريدهم. بل إن بعضهم ظن أنه يملك عقدا إلهيا للحكم، وبعض آخر يعتقد أن الأمة ستنهار إذا ما تخلوا عن مقاعدهم. ومنهم من يخرج من البوابة ليعود من النافذة، ومن يجدد خطاباته من دون أن يغير ما في نفسه.
على الصعد الأقل دموية، فإن كثيرين منا ينظرون إلى الاختلاف نظرة لا تخلو من الازدراء والدونية، ولا يلقون بالا لمكانة الأشخاص وإنجازاتهم. فالمهم في تحديد مواقفهم، مدى قرب أو بعد هؤلاء الأشخاص والجماعات منهم.
التعصب والاستقطاب مظهر أساسي من مظاهر ثقافتنا لا يمكن إخفاؤه بالمحسنات اللفظية والأوصاف التي لا تجد ما يدعمها في سلوكنا، غير الإدانات اللاحقة لوقوع الفأس في الرأس.

*وزير سابق

تعليق واحد

  1. تقبل الاخر
    هذا في المجتمعات العربية ولكن قرأت سابقا ان المجتمعات الغربية تخضع ايضا للهيمنة .قد نرى ان الاشخاص والوجوه تتغير ولكن الاساس لا يتغير ولكن يخلفون بعضهم بعضا وليس باختيار الشعوب ولكن الاعلام يبين غير ذلك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock