أفكار ومواقف

تقدير الأولويات وربطها بالسياسات والموارد

يحدد المواطنون مواقفهم بالتأييد والمعارضة والتجمع والمطالبة والتنظيم الاجتماعي والسياسي والتشبيك وفق أولويات وأهداف ومصالح يدركونها بوضوح وينشئون لأجلها وعيا كافيا يحركهم باتجاهها، وفي ذلك يحتاج كل مواطن (تقريبا) أن يكوّن معرفة واضحة وعملية بالأولويات والمصالح التي يجب أن يسعى لتحقيقها على مستوى الفرد والمجتمع والمدينة والدولة والإقليم والعالم وأن يربطها بالسياسات والبرامج المطبقة كما الموارد والإنفاق، هكذا تتشكل التيارات والجماعات والأفكار وفق هذه التقديرات المتوقع أنها متعددة، لكنها في جميع الأحوال لا تزيد على ثلاثة أو أربعة اتجاهات وتيارات سياسية واجتماعية. وتمتد هذه الاتجاهات لتوجيه سلوك المواطنين وتنظيم العمل والموارد.
فالمواطنون يحددون وفق الوعي المفترض للأولويات والمصالح خياراتهم في حياتهم وسلوكهم تجاه تعليم أطفالهم ورعاية أسرهم والرعاية الصحية والاجتماعية، ثم ينشئون بناء على ذلك مواقفهم من السياسات العامة والمالية والضريبية التي تتبعها الحكومة، ويحددون اتجاهاتهم الانتخابية لمجلس النواب والبلديات والنقابات المهنية، ويمضون في الاحتجاج والتظاهر والمطالبة والضغط والاعتصام عندما يشعرون أن أدواتهم في التأثير والتنظيم لا تساعدهم في تحقيق أولوياتهم، أو أن السياسات الحكومية لا تلبي تطلعاتهم وأفكارهم أو أن الحكومة لا تدير المال العام والسياسات والمؤسسات بعدالة وكفاءة، كما يتحرك المواطنون في الفضاء العام في التعبير والجدل والتأثير لبلورة وتطوير الاتجاهات والمواقف تجاه ما يريدونه وما لا يريدونه. هكذا يتكون لدى المواطنين الشعور بالظلم والخطأ والقبح وفي المقابل العدل والصواب والحسن، وتكون أيضا لديهم أسئلة وإجابات عامة وربما واضحة ومحددة، وعلى سبيل المثال يجب أن يتشكل تأثير وموقف اجتماعي واضح بالنسبة للسياسات التعليمية؛ هل الاتجاه إلى التعليم الخاص هو الخيار الأفضل للطبقات الوسطى أم التأثير باتجاه إصلاح التعليم الحكومي؟ لقد كانت الإجابة بوضوح أن الطبقات الوسطى اختارت المدارس الخاصة بدلا من التأثير في السياسات والاتجاهات الحكومية، فهل كان هذا الخيار إصلاحيا؟ وهل كان ملائما على نحو أفضل لتطلعات المواطنين وخياراتهم؟ أم أنهم دفعوا إلى هذا الخيار دفعا؟ كيف ومتى تفضل الطبقات الوسطى الانسحاب من المواجهة والتأثير؟ كيف تربط المجتمعات مواقفها الانتخابية والاحتجاجية برؤيتها ومطالبها؟
الافتراض الأساسي الذي تقوم عليه عمليات التنظيم الاجتماعي والسياسي والتأثير الإصلاحي هو أن الطبقة الوسطى المفترض مثاليا أن تكون جميع المواطنين إذا تحققت المساواة، لكن وبطبيعة الحال سيكون هناك فقراء وأغنياء، ويكون السلوك والهدف الجمعي أن يكون الناس متساوين في الفرص والموارد، وللخروج من هذا المأزق الواقعي تعاقدت الأمم على التنافس العادل لأجل اللامساواة، وتقاس الأمم في تقدمها ومدى الفجوة الاجتماعية والاقتصادية بنسبة الطبقة الوسطى في التشكيل والتكوين الاجتماعي، ما يعني أنها يجب ألا تقل عن ثلثي المجتمع، هكذا وعلى نحو تراكمي أدركت الطبقة الوسطى تراثها ووجودها وأهميتها وأنشأت الرؤية القياسية والملائمة لما تحب ويجب أن تكون عليه، وهي في الوقت نفسه لا تملك مواردها الخاصة بها التي تساعدها على تحقيق هذه الرؤية، وتنشأ نتيجة لذلك القيم والرسالة الإصلاحية لأجل تنظيم وتفعيل الضرائب الموارد والإدارة العامة والتأثير في الأسواق والشركات باتجاه وعيها الواضح والمحدد لأهدافها ومصالحها. وفي حين تلجأ الطبقات الغنية إلى مواردها الخاصة لأجل تحقيق أولوياتها واحتياجاتها، وتغيب عن الطبقات الفقيرة القدرات المعرفية والتأثيرية فتعتمد في سلوكها واتجاهاتها بتأييدها للطبقات الوسطى أو الغنية؛ تنشئ الطبقة الوسطى منظومة من القيم والأفكار والمؤسسات للتأثير في السياسة والاجتماع، وتصبح هذه القيم هي الدليل الإرشادي لجميع الفئات ومصدر الفضائل والمصالح العامة للمواطنين. كيف لم تنظم الطبقات الوسطى نفسها باتجاه أولوياتها؟ وكيف لم تعكس الانتخابات النيابية والنقابية والبلدية قيم ومصالح الطبقات الوسطى؟ كيف لم يتشكل الوعي الطبقي والإدراك العملي لوجود الطبقات ومصالحها؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock