أفكار ومواقف

“تقرير السعادة العالمي” مهم..!

لا يرصد “تقرير السعادة العالمي” الاختيارات الفردية بالضبط التي تجعل الناس سعداء أو تعساء. إنه يرصد متغيرات كبيرة جامعة، تقاس في كل بلد بالبيانات المستمدة من استطلاع “غالوب العالمي”، ومصادر أخرى مثل “مسح القيم العالمية”. ويقيس “التقرير” بشكل أساسي: حصة الفرد من الناتج المحلي؛ والدعم الاجتماعي؛ ومتوسط العمر المتوقع؛ والحرية في اتخاذ القرارات الحياتية؛ والكرم؛ ومدرَكات الفساد؛ والمعاناة والظلم.
لكن هذه المؤشرات تستند إلى متغيرات أوسع تكاد تمس كل شيء. فاستبيان استطلاع “غالوب” العالمي الذي يستند إليه التقويم يقيس 14 مجالًا ضمن أسئلته الأساسية: (1) الأعمال والاقتصاد، (2) مشاركة المواطنين، (3) الاتصالات والتكنولوجيا، (4) التنوع (القضايا الاجتماعية)، (5) التعليم والعائلات، (6) العواطف (الرفاه)، (7) البيئة والطاقة، (8) الغذاء والمأوى، (9) الحكومة والسياسة، (10) القانون والنظام (السلامة)، (11) الصحة، (12) الدين والأخلاق، (13) النقل، و(14) العمل.
وفي العام الماضي، دخل متغيران جديدان مهمان على العوامل المؤثرة في منسوب السعادة الوطنية، جلبهما “كوفيد19”: الثقة، والوفيات. ويقول مؤلفو التقرير لهذا العام: “درسنا كيفية تضافر السمات المختلفة للهياكل الديموغرافية والاجتماعية والسياسية الوطنية مع عواقب استراتيجيات السياسة والتعرض للأمراض، للمساعدة في تفسير الاختلافات الدولية في معدلات وفيات العام 2020 من “كوفيد19”. والسمة المركزية في أدلتنا هي أن مستوى جودة السياق الاجتماعي، وخاصة مدى ثقة الناس في حكوماتهم وثقتهم في خيرية الآخرين، لا يدعم فقط قدرتهم على الحفاظ على سعادتهم قبل وأثناء الوباء، ولكنه يقلل أيضًا من عدد وفيات “كوفيد19″ من خلال تسهيل استراتيجيات أكثر فاعلية للحد من انتشار الوباء مع الحفاظ على الشعور بالهدف المشترك وبنائه”.
بذلك، سوف تسبب وفاة نحو 3000 مواطن من “كورونا” في شهر واحد حسب المعدلات الحالية، وتسجيل مجموع وفيات قياسي غير متناسب في عام، الكثير من التعاسة. لكن ذلك يؤشر إلى عيب أكثر عمومية وإثارة للفزع في جودة السياق الاجتماعي المحلي، ومدى ثقة الناس في بعضهم البعض وفي صناعة القرار.
إذا كانت العلامة النهائية لأداء كل متغيرات “التقرير” في بلدك راسبة بشدة، فهذا مُحبط للغاية. وربما تكون من حسناته القليلة أنه يجعلك أكثر اطمئناناً إلى أنك لست وحدك المتطيّر الذي لا يرى الجماليات بسبب تشاؤُمة مرَضية. إن هذا التصنيف يضعك فقط في المجموع غير السعيد: الناس بشكل عام يفتقرون إلى مقومات السعادة، ويعرفون ذلك؛ البلد كله غير سعيد.
لكن هناك أكثر من ذلك في “تقرير السعادة العالمي”. فحسب الأدبيات ذات الصلة، “تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2011 القرار 65/309 “السعادة: نحو تعريف شامل للتنمية”، الذي يدعو الدول الأعضاء إلى قياس سعادة شعوبها واستخدام البيانات للمساعدة في توجيه السياسة العامة”. وفي العام التالي، عُقد أول اجتماع رفيع المستوى للأمم المتحدة “بعنوان الرفاهية والسعادة: تحديد نموذج اقتصادي جديد”. وشارك في ترؤسه رئيس وزراء بوتان، “الدولة التي اعتمدت السعادة الوطنية الإجمالية بدلاً من الناتج المحلي الإجمالي كمؤشر تنموي رئيس”.
هذه البيانات إذن لا تقصد إلى التصنيف لمجرد التصنيف، وإنما تدعو إلى “استخدام البيانات للمساعدة في توجيه السياسة العامة”. و”تحديد نموذج اقتصادي جديد” يرفع منسوب الرفاهية والسعادة حيث تكونا نادرتين. وإذا كنا صريحين، فإن ترتيب بلدنا في المؤشر الذي يقيس معدل كل المتغيرات المذكورة كاشف. وسيدعو احتلال المرتبة 127 من أصل 153، إلى ضرورة إجراء مراجعةٍ جادة وذات ضرورة وجودية للسياسة العامة والأسس التوجيهية التي ترشدها. كما يجب النظر في المقدمات التي أفضت إلى تدني منسوب الثقة بين الناس وبينهم وبين المؤسسات، خاصة وأن كل المتغيرات التي يقيسها مؤشر السعادة تقريباً هي نتيجة لاختيارات صُناع القرار.
العلاقة بين أسباب عدم السعادة وزعزعة الاستقرار حتمية، ويجب أن يكون الوجود في الربع الأقل سعادة من دول العالم جرس إنذار عالي الصوت ولا يدع أحداً ينام. إن ندرة السعادة –أي وفرة التعاسة- تعني حالة من فقدان الأمن وعدم التوازن. وهي تُظهر غالباً جملة من العوارض: القلق؛ غياب اليقين؛ تدمير العائلات؛ إدمان الكحول أو المخدرات؛ الانحراف والميل إلى العنف؛ زيادة الانتحار؛ التطرف؛ ثم السخط العام الذي يهيئ لاندلاع اضطرابات لا يمكن التنبؤ بوجهاتها وبما قد تفضي إليه.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock