أفكار ومواقف

تقرير “حالة البلاد”!

تقرير “حالة البلاد”، الذي أصدره المجلس الاقتصادي والاجتماعي مؤخرا، أكد أمورا مؤكدة يعلمها غالبية المواطنين إن لم يكن الجميع، رغم أهميتها وحساسيتها، لكنه أغفل بطريقة أو أخرى التطرق لأمور أخرى لا تقل أهمية وحساسية عن تلك “المؤكدة”.
من الأمور الواضحة للعيان والتي أكدها التقرير، تراجع وضعف أداء مؤسسات الدولة، وعجز الحكومات المتعاقبة عن تنفيذ الاستراتيجيات، فضلا عن عدم امتلاكها لخطط تنفيذية مرتبطة بجداول زمنية، ناهيك عن ضعف الموارد البشرية.
إلى جانب اتساع فجوة الثقة ما بين المواطنين وتلك الحكومات، بالإضافة إلى وجود خلل كبير في التنسيق بين الجهات المعنية لتنفيذ الاستراتيجيات.
ومن الأمور التي سلط التقرير الضوء عليها، أن الأردن وخلال الأعوام الثمانية عشر الماضية، كان يدخل سنويا إلى نادي الوزراء ما نسبته 14.88 %، حيث بلغ عدد الوزراء الجدد خلال تلك الفترة 268 وزيرا من أصل 434 وزيرا هم مجموع الوزراء في تلك الفترة.
فهل الأردن بإمكاناته المتواضعة، بحاجة إلى هذا العدد الكبير من الوزراء؟ وما يترتب عليه من موظفين وسكرتارية ورواتب، رغم أن لسان حال الحكومات المتعاقبة كان يتمحور دائمًا حول ترشيق النفقات، والدعوات إلى إيجاد حكومات رشيقة.
لكن تقرير “حالة البلاد”، الذي استغرق إنجازه حوالي العام وأشرف عليه نحو 700 باحث متخصص وخبير من القطاعات الرسمية والأهلية، أغفل بطريقة أو أخرى نسب الفقر والبطالة في هذا الوطن، ولم يجهد المركز (صاحب التقرير) نفسه بإجراء ولو استبيان بسيط لمعرفة معدلات الفقر في المملكة والتي بلغت درجات مرتفعة، إذ إن آخر دراسة حكومية حول ذلك كانت في العام 2010، وكذلك لم يجهد نفسه بإجراء مسح لمعرفة البطالة والتي وصلت لنحو 19 %.
كما لم يشر التقرير إلى أن المنهجيات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة، كانت عاجزة عن توفير الحاجات الأساسية للشعب وأغفلت مصالح الفقراء والطبقة الوسطى، والتي هي الأهم بالنسبة لأي مجتمع يريد أن يكون آمنا مستقرا ويتطور ويتقدم.
وتطرق التقرير إلى أن “عدم وجود موارد مالية”، كان سببا رئيسا من أسباب عدم تنفيذ خطط الحكومات المتعاقبة الاستراتيجية وبرامجها وسياساتها.. لكنه لم يشر إلى أنه تم هدر 65 مليون دينار بدل أوامر تغييرية في عطاءات، ونحو 150 مليونا بدل تحويلات طبية من مستشفيات حكومية إلى القطاع الخاص، وذلك خلال عام واحد فقط، ناهيك عن صرف 17 مليون دينار لتصفية شركة الكهرباء النووية، وعشرات الملايين من الدنانير بدل هيكلة القطاع العام.
إن هدر هذه الملايين من الدنانير، إشارة إلى أن “قلة أو ضعف” الموارد المالية، لم تكن عائقا أمام تنفيذ الحكومات لخطط واستراتيجيات.
لو كان هذا التقرير صدر في دول تحترم حقوق مواطنيها، والشفافية والعدالة ديدنها، لكان تم على الأقل تشكيل لجان تحقيق حقيقية لمعرفة المقصر في أداء الواجب تجاه الوطن والمواطن، فالتقرير يؤكد أن الحكومات المتعاقبة سارت على نفس النهج الاقتصادي والسياسي والإداري دون معالجات جذرية منهجية.. وهذا بحد ذاته سلبية توجب المساءلة.
ألا يكفي أن يكون منهج الحكومات المتعاقبة، حسب التقرير، المحاصصة وتوزيع المكتسبات والمناصب على أسس جهوية وفرعية، وغياب العدالة ومعايير الكفاءة والرقابة والمساءلة، أسباب رئيسة لمحاسبة أولئك القائمين عليها ولو على الأقل شعبيا.
وللأمانة، فإن التقرير أكد وجود قصص نجاح محدودة في بعض الجوانب، سببها إسناد الموقع الأول للشخص المناسب، ما يعني أن الكثير من المواقع في الدولة يتم إسنادها لأشخاص غير مؤهلين لها، رغم وجود من يستحقونها لديهم من الإخلاص والكفاءة والخبرة ما يمكنهم من القيام بالمسؤوليات على أكمل وجه.
فعندما يتم وضع الرجل غير المناسب في الموقع الأول لأي وزارة أو مؤسسة، فحتما ستكون المشاريع التي يطرحها، هذا في حال بادر أصلا بطرحها، فاشلة لا تعتمد على دراسات وخطط تتناسب مع الاحتياجات والإمكانات، الأمر الذي سيكون بالتالي سببا في هدر الأموال العامة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock