أفكار ومواقف

تقرير حالة البلاد

لا يمتلك المرء إلا أن يقدر ويثمّن الجهود الإدارية والبحثية التي بذلت لإعداد تقرير حالة البلاد الذي أصدره المجلس الاقتصادي والاجتماعي، والتقرير مهما كان تقييمنا له واتفاقنا أو اختلافنا معه يبقى وثيقة مهمة يجب أن تناقش وتفند وتتابع، ولو أن فائدة التقرير انحصرت بالنقاش الذي أثاره فيكفيه ذلك لأن النقاش حول الشأن العام بحد ذاته قيمة وطنية مهمة.
لكن، ومع الإقرار بهذه الإيجابية وبالجهود التي بذلت لإعداد التقرير، لا بد من الوقوف عند النتيجة العامة التي خلص إليها وما تبعها من نقاش، والتي تشير إلى سنوات طويلة مضت لم يكن هناك أي منجز لما يزيد على المائة من الاستراتيجيات التي تمت مراجعتها من قبل الباحثين معدي التقرير، وأن الحكومات المتعاقبة وعلى مدى عقود لم تحقق شيئا على كافة الصعد، وأننا نعيش حالة من انعدام الإنجاز في كل القطاعات والميادين.
هل يعقل أن نقبل بهذه الخلاصات والتعميمات من قبل فريق بحثي من مئات الباحثين المتخصصين؟ هل يعقل أنه لم يكن هناك إنجازات تذكر بكافة القطاعات ولو بنسب متفاوتة؟ وهل يتوقع الباحثون منا قبول ذلك؟ ألم يكن متوقعا من جهد علمي بحثي محايد أن يكون أكثر علمية وتحفظا بإطلاق التعميمات؟ وأن يقول لنا بدقة أين أخفقنا وأين أصبنا في قطاعاتنا المختلفة وفي إدارتنا لشؤون بلادنا؟ ألا يعتبر الباحثون الذين أعدوا التقرير أن معدلات نمو الاقتصاد بحدود سبعة بالمائة لعدة سنوات في الفترة التي درسوها إنجازا؟ ألا يعتقدون أن تعديل ما يزيد على ثلث الدستور وتحصين المجلس النيابي من الحل وإنشاء المحكمة الدستورية والهيئة المستقلة للانتخاب خطوات سياسية إصلاحية؟ أليس عقد انتخابات نزيهة بشهادة المراقبين الدوليين وبمشاركة كافة صنوف المعارضة وبمعدلات مشاركة قاربت وزادت عن انتخابات سابقة يسجل أنه خطوات إصلاح سياسي؟ ألم يأخذ الباحثون بعين الاعتبار الظروف الإقليمية ومدى تأثيرها على شؤون بلادنا، أم عزلوا البلاد في مختبر ودرسوا حالته كما يفعل باحثو الفيزياء والكيمياء؟
ليس المطلوب من تقرير حالة البلاد أن يظهر جانبا إيجابيا أو سلبيا على حساب آخر، ولكن المطلوب العلمية والدقة بالطرح التي تظهر جانبي المعادلة في حالة البلاد بإيجابيتها وسلبيتها. عندها سيكون التقرير مفيدا أضعافا مضاعفة وسيكون أداة ضغط ومساءلة وتقييم وتقويم، وسيؤسس لنقاش وطني علمي موضوعي نفتقده في كثير من الحالات.
الأمل أن يتم التأسيس على تجربة تقرير حالة البلاد، وأن يستفاد من التجربة الأولى لتجويد القادمات من التقارير، وأن يصار لاعتماد معايير رقمية علمية تظهر مدى الإنجاز والإخفاق الذي تحقق في كافة القطاعات، والابتعاد عن إطلاق التعميمات إلا بحدود الخلاصات العلمية للتقرير ونتائجه.
الأردن بلد امتاز دوما بفضاء مفتوح للنقاش والنقد والتقييم، وهو أمر نمارسه جميعا بشكل يومي. لكن من حق الأردنيين على باحثيهم أن يضعوا أسسا علمية وموضوعية في تقييم الشأن العام، ويقولوا للمجتمع وصناع القرار أين أخفقنا وأين أصبنا، وبغير ذلك فهم تماما كالسياسيين الذين يطلقون التعميمات غير العلمية لمآرب سياسية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock