أفكار ومواقف

تقرير ديوان المحاسبة ليس مناسبة فلكلورية

في كل عام يتقدم رئيس ديوان المحاسبة بتقرير الديوان السنوي تماشياً مع المادة 119 من الدستور لرئيسي مجلس الأعيان ومجلس النواب ولرئيس الوزراء، التقرير يقدم جردة حساب لكل التجاوزات الإدارية والمخالفات المالية التي حدثت في الإدارة العامة الأردنية والشركات العامة التي تملك فيها الحكومة أكثر من 50 % بموجب القانون المعدل لقانون ديوان المحاسبة رقم 36 لسنة 2018، عادة يطغى الطابع الاحتفالي على المناسبة وبعد التقاط الصور التذكارية مع رؤساء السلطات يتم التأكيد على ضرورة مراجعة ومناقشة وتصويب كل تلك الأخطاء وبما يضمن المحافظة على المال العام واتخاذ كافة الإجراءات القانونية التي تضمن استرجاع أي مبالغ أنفقت في غير الأوجه التي تحددها القوانين والأنظمة والتعليمات التي تحكم عمل دوائر الدولة وبما في ذلك الإحالة للقضاء أو هيئة النزاهة ومكافحة والفساد.
خلال هذه الفترة يسيطر على أحاديث الناس ومجالسهم قصص التجاوزات التي لا تخلو من الغرابة والطرافة التي يتعامل معها الشارع أحيانا كثيرة بسخرية ولكنها تخفي إحباطاً وغضباً من حجم الاستسهال في التعامل مع المال العام في وقت تمر فيه البلاد بظروف اقتصادية قاسية ونجد أن هناك من يعيش في عالم آخر ويتعامل مع الوزارة أو المؤسسة التي يديرها بمنطق الملكيات الخاصة ويملك فيها مطلق الحرية بالتصرف.
يتساءل الجميع عن دور السلطة التشريعية في التعاطي مع مخرجات تلك التقارير وهل يتم مناقشتها فعلاً باعتبارها الجهة المخولة دستورياً للرقابة على أداء السلطة التنفيذية، فالناس لا تنتظر التقاط الصور ولا يكفيها نشر التقرير على نافذة مجلس النواب الإلكترونية فقط باعتبار ذلك من عناوين المكاشفة والشفافية، لكنها تريد ألا تبقى هذه التقارير حبيسة الأدراج وأن يتم مناقشتها بصراحة وبشكل منتج بحيث يؤشر لبؤر استغلال الوظيفة العامة والهدر المالي والطلب من الحكومة تصويب تلك التجاوزات. في واقع الأمر الإجابة عن هذا السؤال لا تتأخر كثيراً فالقناعة السائدة هي أن الأمر مجرد إجراء بروتوكولي لتهدئة الرأي العام ولإبراء ذمة الديوان الذي يقوم بواجبه بمقتضى حدود صلاحياته.
المشكلة الحقيقية التي تواجه الأردن هي التوسع والزيادة في الانفاق الحكومي وارتفاع أعداد العاملين في القطاع العام بشكل بدأ يؤثر بشكل خطير على وضع الموازنة العامة المرهقة أصلاً بنفقات جارية تشكل
85 % منها ومديونية غير مسبوقة وخدمة دين مرتفعة وعجز سنوي متزايد، لذلك يبدو ملحاً وضرورياً دعم أجهزة الرقابة المالية وأهمها ديوان المحاسبة لضبط الإنفاق العام ووقف الهدر الذي يتجاوز مئات الملايين سنوياً؛ الدعم يعني وجود إجراءات حقيقية رادعة ومنح الديوان دور الضابطة العدلية التي تمكنه من الرقابة والتدخل في الوقت المناسب وتعديل قانونه بحيث يستطيع المراقبة على الإجراءات المالية والإدارية قبل اتخاذ القرار، بمعنى أن يكون جزءاً من تراتبية العمل حتى لا تتكرر التجاوزات سنوياً ويبدو الأمر وكأن الجميع تعايش مع هذا الواقع دون إرادة حقيقية لاجتثاثه.
معالجة كل هذه الاختلالات تقع على عاتق مجلس النواب من خلال مناقشة التقارير بدقة وبسرعة والطلب من الحكومة عدم الاكتفاء بتصويب التجاوزات فقط بل اتخاذ إجراءات رادعة بحق كل من ينفق المال العام بغير الأوجه السليمة، لا أن نفاجأ بأن من أشرت عليهم تقارير الديوان في سنوات سابقة وارتكبوا تجاوزات بائنة وإذ بهم يتقدمون في سلم الإدارة العامة وربما يتم ترقيتهم لاحقاً لمواقع سياسية، وهي فرصة للحكومة لترسل رسائل إيجابية بأن تقارير ديوان المحاسبة ليست إجراءً فلكلورياً شكلياً بل معيار رقابي أساسي وأحسب أنها بالإجراءات الأخيرة بدأت تعمل على ذلك.

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock