أفكار ومواقف

تقشف وتنمر: تحويل الأزمة إلى غنيمة

يبدو متوقعا عندما تحدث أزمة اقتصادية أو مالية أن تجري المؤسسات العامة والخاصة مجموعة من المراجعات والقرارات التقشفية، لكنها عمليات كانت على الأغلب إن لم يكن دائما تستخدم ذريعة أو غطاء للتنكيل بالعاملين والمستفيدين من غير سبب كاف، إذ استخدمت للتخلص من العاملين وتوظيف آخرين بأجور أقل أو من الأتباع والمحاسيب (بأجور مرتفعة جدا) وما يحدث غالبا أن النفقات لم تخفض، لكن تغيرت الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية لغير صالح الفقراء وفي اتجاه مزايا كبرى لقلّة من الناس.
يعتبر كتاب نعومي كلاين “عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث” من أفضل الكتب التي تصف السلوك الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في ظل الأزمات والكوارث، وتعرض كلاين في كتابها هذا كيف استخدمت الكوارث والأحداث الكبرى في التخلي عن منظومات اقتصادية واجتماعية راسخة وإنشاء بدائل مختلفة تماما، وتخدم مصالح وأفكار فئات وشركات ومجموعات مستعدة لتوظيف اللحظة أو الأزمة، لتنشئ مصالح وأعمالا جديدة.
إن أنظمة السوق ليست جميعها شرا أو ظلما، ولكنا تتطلع دائما إلى إمكانية أن تتعايش السوق الحرة بمنتجاتها الاستهلاكية مع برامج الرعاية الصحية وأنظمة التعليم الرسمي والإدارة الحكومية لجزء كبير من الاقتصاد، أو كما تصور كينز؛ جون مينارد كينز؛ الاقتصادي العظيم الذي ألهم العالم كيف يدير أزماته الاقتصادية.
يقول عالم الاجتماع الأرجنتيني دانيال فيرستان: لم تكن سياسات الهيمنة في الأرجنتين وليدة حظ أو عملية خالية من المنطق، إنما هي إلغاء منظم لجزء كبير من الشريحة الوطنية الأرجنتينية، يهدف إلى تحويل تلك الشريحة من خلال إعادة تحديد أسلوب حياتها وعلاقاتها الاجتماعية وقدرها ومستقبلها.
وتحت عنوان “لقد ضعنا في المرحلة الانتقالية” تصف كلاين كيف كان الانتقال الديمقراطي فرصة ذهبية لشراء وبيع كل شيء في الدول، ولتنشأ طبقات جديدة تحظى بكل شيء تقريبا وتحرم الأغلبية من كل شيء، إلى درجة دفعت الأسقف الحائز على جائزة نوبل للسلام؛ دزموند تيتو للقول: ما نفع الانتخابات إذا لم تتحسن حياة الناس، وإذا لم تترجم الحرية إلى مياه نظيفة ومسكن وعمل لائقين والحصول على الرعاية الصحية؟ أو على حد تعبير الكاتب الروسي لورانس سامرز: إن العيش تحت نير الدكتاتورية الشيوعية لم يكن أسوأ من العيش تحت رحمة دكتاتورية رجال الأعمال.
هكذا فإنه في حالة الذهول أو التحولات تقفز فئة من الصيادين لتهاجم بلا رحمة النظام الاقتصادي الاجتماعي القائم؛ المؤسسات والأعمال والوظائف والعلاقات والموارد العامة بل والغابات والآثار .. وصولا إلى العلم والأدب والفن والهندسة والسينما والقانون، وعلى سبيل المثال فقد استخدمت الكوارث الطبيعية مثل تسونامي وإعصار كاترينا للاستيلاء على الأراضي والمدارس لصالح الشركات، وهجر السكان في الشواطئ الآسيوية من الصيادين والعمال الفقراء لتبنى الفنادق والمنتجعات السياحية، لقد قدم تسونامي للمقاولين (الصيادين) فرصة لم يحلموا بها فتهافتوا إلى اقتناصها، وفي الولايات المتحدة الأميركية نفسها وظف إعصار كاترينا في إعادة هيكلة الاقتصاد والخدمات والتخلي عن التعليم الرسمي والرعاية الصحية والاجتماعية، وتحولت الكارثة إلى غنيمة كبرى للشركات.
تبدو الأعمال والأسواق ويتبعها بطبيعة الحال السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة تشبه الحياة البيولوجية كثيرا، لدرجة تشجع على القول إن البيولوجيا السياسية هي الأكثر واقعية في فهم ما يجري وسوف يجري، فالكائنات الحية تقوم حياتها أساسا على البقاء، وفي ذلك فإنها تجمع الثمار أو تصيد كائنات أخرى، والإنسان وإن كان في معظم تاريخه يجمع بين الصيد وجمع الثمار فإنه يغلب عليه أنه كائن صياد، تسيطر عليه مشاعر دائمة من الشعور بندرة الموارد والخوف الدائم من الموت أو من الكائنات الأخرى، والحال أن الحضارة بما هي تحسين الأخلاق والقيم لم تكن سوى تجاوز الندرة! لكنها (الندرة) تسيطر دائما على المشاريع والعلاقات والسياسات والخطط والميزانيات، .. ليس ما تفعله اليوم المؤسسات العامة والخاصة في إدارتها للأزمة الاقتصادية سوى عمليات صيد ورعي جائر!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock