آخر الأخبار حياتنا

تقوى الله أهم عبادات الشهر الفضيل

يعد شهر رمضان شهر التّقوى، لقوله سبحانه وتعالى:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”(البقرة: 183)، ولذلك جمع الله سبحانه وتعالى للمتّقين من عباده الهدى والرحمة والعلم والرضوان، قال تعالى:”هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُون” (الأعراف:154)، وقال تعالى:”إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء”(فاطر:28)، وقال عز وجل:”رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ”(البينة:8). وقال تعالى:”إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُون” (المؤمنون 57-60)، وسألت عائشة رضي الله عنها عن هذه الآية الرسول صلى الله عليه وسلم:” أهُمُ الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون، فقال:”لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون ألا يتقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات”.
ويلفت أستاذ الشريعة الإسلامية في مدارس الأصالة والمعاصرة د. عامر القضاة إلى أنّ للتقوى خصوصيّة في رمضان، إذ تشكل محطة للتزوّد لعام مقبل، موضحا أنّها السلاح الذي يعصم الإنسان من الوقوع في المعاصي.
ويشير القضاة إلى أنّ الله سبحانه وتعالى بدأ آيات الصيام بالتقوى وختمها بالتقوى، ليذكر المؤمنين بقيمة هذه العبادة، وأنّها من أوجب العبادات في الشهر الفضيل. 
ورتّب الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز على التقوى خيرات عظيمة، قال تعالى:”وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ”، ومن ذلك المحبة لمن اتقى الله، قال الله تعالى:”فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ”، ومن ذلك التوفيق للعلم، قال تعالى:”وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ”، ومن ذلك نفي الخوف والحزن عن المتقي المصلح قال الله تعالى:”فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ”، ومن ذلك الفرقان عند الاشتباه ووقوع الإشكال والكفارة للسيئات والمغفرة للذنوب، قال الله تعالى:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ”.
ومن ذلك النجاة من النار قال الله تعالى:”وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا”، وقال تعالى:”وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ”، ومن ذلك المخرج من الشدائد والرزق من حيث لا يحتسب، قال تعالى:”وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ”.
ومن ذلك اليسر في الأمور كلّها، قال الله تعالى:”وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا”، ومن ذلك عظم الأجر، قال تعالى:”وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا”، ومن ذلك الوعد من الله بالجنة، قال تعالى:”وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ”، وقال تعالى:”إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ”، وقال تعالى:” إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ “، وقال تعالى:”الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ”.
أستاذ التفسير والشريعة في الجامعة الأردنية د. محمد خازر المجالي يرى أنّ الغاية المرتجاة من جلّ العبادات هي تحصيل التقوى، مشيرا إلى أنّ خلاصة الدين أن تتحسن علاقة العبد بربّه. 
والمتقون هم الذين يعترفون بالحق قبل أن يُشهَدَ عليهم ويعرفونه ويؤدونه، وينكرون الباطل ويجتنبونه ويخافون الرب الجليل الذي لا تخفى عليه خافية، المتقون يعملون بكتاب الله فيحرمون ما حرمه ويحلون ما أحله.
ولا يخونون في أمانة ولا يرضون بالذل والإهانة ولا يعقون ولا يقطعون، ولا يؤذون جيرانهم ولا يضربون إخوانهم، يصلون من قطعهم، ويعطون من حرمهم، ويعفون عمن ظلمهم الخير عندهم مأمول، والشر من جانبهم مأمون لا يغتابون ولا يُكذبون ولا يُنافقون.
ولا ينمون ولا يحسدون ولا يُراءون ولا يُرابون ولا يقذفون ولا يأمرون بمنكرٍ ولا ينهون عن معروف، بل يأمرون بالمعروف وينهون عن  المنكر، تلك صفات المتقين حقاً الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون.
ويرى المجالي أنّ احتشاد ألفاظ التقوى في معظم الفرائض إنّما هو أمر مقصود، فالتقوى هي ثمرة كلّ التكاليف، ونجد هذا واضحا في سورة البقرة.
وعَن أبي مَسعودٍ رضي اللَّه عنه قالَ: قال لي النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم:”اقْرَأْ علَّي القُرآنَ” قلتُ: يا رسُولَ اللَّه، أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟، قالَ:”إِني أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي” فقرَأْتُ عليه سورَةَ النِّساء، حتى جِئْتُ إلى هذِهِ الآية: { فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهيد وِجئْنا بِكَ عَلى هَؤلاءِ شَهِيداً } قال:”حَسْبُكَ الآن” فَالْتَفَتَّ إِليْهِ، فَإِذَا عِيْناهُ تَذْرِفانِ. متفقٌ عليه.
 وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: { وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن }، وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل، وكان الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ سورة الطور حتى بلغ:”إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ” (الطور:7)، بكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه، وقال لابنه وهو يموت: ويحك ضع خدي على الأرض عساه أن يرحمني، ثم قال: ويل أمي إن لم يغفر لي (ثلاثا)، ثم قضى نحبه، وكان يمر بالآية في ورده بالليل تخيفه فيبقى في البيت أياما يُعاد؛ يحسبونه مريضا. وكان في وجهه خطان أسودان من كثرة البكاء، وقال له ابن عباس: مَصَّرَ الله بك الأمصار وفتح بك الفتوح وفعل وفعل، فقال: وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر.
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه إذا وقف على القبر يبكي حتى تبتل لحيته، وقال: لو أنني بين الجنة والنار ولا أدري إلى أيتهما أصير لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير.
وكان أبو ذر رضي الله عنه يقول: لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت لما أكلتم طعاما على شهوة، ولا شربتم شرابا على شهوة، ولا دخلتم بيتا تستظلون به، ولخرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم، ولوددت أني شجرة تقطع ثم تؤكل.
نسأل الله عز وجل أن يقسم لنا من خشيته ما يحول بيننا وبين معصيته، ونسأله سبحانه أن يرزقنا خشيته في السر والعلن، وأن يجعلنا من الآمنين يوم الخوف والفزع “يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ”(عبس 34-36)، وممّن يُنادَوْن في ذلك اليوم العظيم:”ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ” (الأعراف:49)

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock