منوعات

تقييم سفراء بريطانيا في عمان وبغداد وواشنطن لثورة 14 تموز ورجالها

 


د.سعد أبو دية


عمان ـ قيل الكثير عن أن الإنجليز والأميركيين كانوا راضين عن ثورة 14 تموز، ولكن الوثائق البريطانية وتقارير سفيري بريطانيا في بغداد وواشنطن تعطي فكرة أدق عن حقيقة الوضع.


اجتمعت الوزارة البريطانية ثلاث مرات في يوم واحد، واجتمع حلف الأطلسي مرتين خلال يومي 15 و 16 تموز، ولكن تلك كانت إجراءات علاجية ولم تنفع في إجهاض الثورة.


كتبت الوثائق العراقية أن السفير البريطاني (مايكل رايت) كان في ظلام دامس، وأن عبد الكريم قاسم ضلل الجميع حتى بعد الثورة.


كان عبد الكريم منفتحاً على الإنجليز؛ لا بل إنه أمر أحد الضباط بإحضار السفير البريطاني من فندق بغداد عصر يوم الثورة، عندما طلب السفير مقابلة عبد الكريم قاسم، فهو لم يكن يمانع في مقابلات الإنجليز. وفي عصر يوم 14/ تموز يوم الثورة كتب العميد الركن دريد دملوجي بخط يده تقريراً وأعطاه لمساعد مدير الاستخبارات الأسبق خليل حسين، كيف أنه أصطحب سفير بريطانيا من فندق بغداد إلى عبد الكريم قاسم بناء على طلب عبد الكريم، الذي طلب منه أن يذهب إلى السفير البريطاني في فندق بغداد قائلاً له باللهجة العراقية: (عقيد دريد روح شوف السفير البريطاني شوف شيريد).


وتم اصطحاب السفير الساعة الرابعة عصراً ودخل إلى غرفة عبد الكريم فوراً ومكث ربع ساعة وخرج ووراءه عبد الكريم وعبد السلام عارف.


وفي تقرير الخارجية البريطانية يوم 19/7/1958م (الذي ترجمه العراقيون) جاء فيه:


1- إن المعلومات قليلة عن الطريقة التي تم التخطيط فيها للثورة.


2- نظمت الثورة بسرعة وكفاءة، وتمت باتصالات مع الجمهورية العربية المتحدة. (هنا علق مكتب رئيس الوزراء البريطاني وكتب بخط يده على التقرير: هل هذا حدث؟).


3- لا دليل على مقاومة منظمة ضد الثورة.


4- الانقلابيون من المعجبين بعبد الناصر وأفكارهم قريبة منه وهذه فرصة لبريطانيا أن تتفاهم على القومية العربية الناشئة، ويجب التفكير قبل رفضها، وليس من السهل الاعتراف بالحكومة الجديدة أمام أصدقاء بريطانيا في الشرق الأوسط لكن يجب تحمل المخاطر.


تقييم الإنجليز لقادة الثورة


– الفريق نجيب الربيعي: متعلم، جيد، انعزالي، غامض الخصائص، يكره الإنجليز، مخلص ومستقيم ومتدين.


– عبد الكريم قاسم، رئيس وزراء ووزير دفاع، 44 سنة ضابط ركن متدين جداً، مخلص مثالي، وعراقي متميز.


– العقيد عبد السلام عارف: مغرور، غير كفؤ، ضابط ركن.


– ناجي طالب: وزير الشؤون الاجتماعية 42 سنة، شخصية معقدة، ضابط ركن ذكي، قوي، ذو إرادة على درجة عالية من الاقتدار، قد يكون العقل المدبر للثورة، وهناك من يراه شخصية ظريفة وغير متزنة إلى حد الهوس معاد للإنجليز.


علقت الوثائق العراقية أن هذا الرأي غير صحيح وأن ناجي متزن عقلاني متأن، يحلل الأمور بدقة ومنطق عفيف اللسان، وتتهم الوثائق العراقية الانجليز بأنهم يأخذون معلوماتهم من أصدقاء بريطانيا وعملاء مخابراتها.


سأتابع مع القارئ هذه الملاحظات والآراء التي وردت في ملاحظات وتقارير السفير البريطاني في الأردن:


إذاعة القاهرة وتأجيج التوتر والتذمر السياسي والشخصي والاقتصادي في العراق


كتب السفير يوم 12/8/1958م، أي بعد الثورة بشهر، تقريراً هاماً لدولته بيّن فيه أن العراق في عهد النظام السابق كان أكثر غنى وتقدماً في ميادين مختلفة من الدول المجاورة، ولكن إذاعة القاهرة ساهمت في تأجيج التوتر منذ عام 1956م. وكتب السفير أن الدافع عند عبد الكريم قاسم لتغيير نظام الحكم كان موجوداً منذ عام 1956م، وأنه كان يتحين الفرصة لذلك حتى جاءته هذه الفرصة يوم 13/ تموز عندما تسلم أمراً بالذهاب إلى الأردن.


 قاد عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف اللواءين (19) و (20) من تشكيلات الفرقة الثالثة التي يقودها العميد غازي الداغستاني عبر بغداد وتحقق لهما ما أراداه وحلما به.


الغليان جاء بعد الثورة


كتب السفير البريطاني يوم 22/8/1958م برقية للندن بين فيها أنه لم يكن هناك ما يدل على وجود غليان في العراق يوم حدوث الثورة، ولكن حالما وقعت الثورة فإن دعاة التغيير ظهروا ورحبوا بها وظهر للعيان كل ما كان خافياً!!.


 وكتب أيضاً انه بالرغم من أن التذمر كان موجوداً بصورة جدية، فقد كان من الممكن إيجاد الحلول بطرق أخرى لولا الضغوط الخارجية. وفي نفس البرقية بين أن الثورة قدمت متنفساً للساخطين وكانت مقبولة (في الوقت الحاضر) من الجميع!!


ملاحظة: هذا يخالف رأي رئيس الأركان رفيق عارف الذي ذكر أن هنالك تذمرا وأنه يريد ان يستوعبه. فهو على إدارك تام بأن الجيش قد لا يسيطر على الوضع أمام هذا التذمر، لذلك كان يهادن، وهكذا فإن الوثائق البريطانية ليست دقيقة في تحديد حجم التذمر، وهي التي أخطأت في مصر أيضاً قبل سنوات.


السفير يبرئ الحكم السابق من دنس الفساد


كتب السفير في برقيته السابقة أن الفساد كان موجوداً بمقدار اعتيادي، لا بل إنه أقل مما هو موجود في أغلبية الدول المجاورة.


كان العراق كما كتب السفير يدار بطريقة جيدة بمقاييس الشرق الأوسط، وقد تم إصلاح نظام الخدمة المدنية على الطريقة الإنجليزية… وكان الهدف استخدام عائدات النفط لصالح الشعب.


ولكن السفير يشير إلى فقر مدقع في مناطق مختلفة مثل الكوت والعمارة والنجف والقرى الكردية النائية، ويشير السفير أيضاً إلى التذمر من محاباة الأقارب، والمطالب بتشكيل أحزاب سياسية وحريات أوسع للصحافة والإذاعة والانتخاب. وكتب السفير بالنص: “هذه الضغوط كانت موجودة وبصورة عامة كانت هناك فجوة بين الحكومة والشعب من الصعب تضييقها حتى لو وجد سياسيون إصلاحيون، هذا التذمر كان في حالة نمو ومن الطبيعي أن يجد له متنفساً”.


وهكذا تلاحظ أن السفير يناقض نفسه، وأنه يعود للحديث عن التذمر الذي أشار إليه رفيق عارف.


السفير يشير لنقطة الضعف التي ركز عليها الإعلام المصري


كتب السفير أن الستة أشهر الأخيرة قبل الثورة شهدت فعالية هجوم إعلامي مصري على ميثاق حلف بغداد، والعلاقات العراقية مع الغرب، وذكر السفير أن هجوم عبد الناصر الإعلامي استمر ثلاثة أعوام، وأنه ساهم في نشر السخط والتذمر الذي كان موجوداً ولكن زاده عبد الناصر اشتعالاً. وكتب السفير بالنص: “حققت دعاية عبد الناصر نجاحاً كبيراً في العراق بالهجوم المتواصل على ميثاق بغداد وعلى العلاقات والصداقة العراقية البريطانية وعلى الاستعمار عموماً…الخ”.


الغريب أن الثورة لم تخفف علاقاتها مع بريطانيا


كتب السفير في إحدى رسائله أنه قابل الرئيس الجديد عبد الكريم قاسم، ولاحظ السفير أن عبد الكريم أسرف أكثر من الاعتيادي في التعبير عن الصداقة مع بريطانيا وكتب بالنص: “قابلت أمس رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم وكان لي حديث طويل معه، كان مسرفاً أكثر من الاعتيادي في تأكيده على الصداقة مع بريطانيا وذهب أكثر من اللازم ليعطيني تأكيداته!”. وكتب مايلي: “وقلت له.. إن الصحف والإذاعة تضخ الدعاية العدائية ضد بريطانيا..”. ومع هذا كما ذكر السفير فإن عبد الكريم أكد له أنه يرغب بالصداقة مع بريطانيا على مستوى الشعب، وأنه ليس على صلة بما يذاع أو مضايقات رجال الشرطة العراقيين للدبلوماسيين الإنجليز أو الصعوبات التي تواجه موظفي المجلس الثقافي البريطاني.


عبد الكريم قاسم يطلب مساعدات وسلاحاً غربياً


وكتب السفير أن عبد الكريم طالبه بسرعة تجهيز السلاح من المملكة المتحدة وصيانة محركات طائرات (هوكر هنتر) وطالب بمساعدات أميركية سبق أن قررت للعراق في ميثاق حلف بغداد.


اختلاف مضمون رسائل سفير بريطانيا في العراق عن رسائل سفير بريطانيا في واشنطن


لاحظت أن مضمون برقية السفير البريطاني في واشنطن في 20/7/1958م تختلف عن مضامين برقيات سفير بريطانيا في بغداد إذ أشار السفير في واشنطن في برقيته إلى رأي جون فوستر دلاس وزير خارجية الولايات المتحدة الذي أشار أن النظام الجديد في العراق ميال لعبد الناصر، وأنه لن يبقى مخلصاً في الحلف ( أي حلف بغداد). وتوقع أن العراقيين قد يقررون البقاء في الحلف مدة مؤقتة حتى يكونوا مصدر إزعاج أو تطمين بقدر ما يستفيدون من الحلف! وإذا بقوا في الحلف فإن الإدارة الأميركية لن تخاطر في تبادل المعلومات مع العراق… ويقترح أن يتم الحديث عن مشاركة العراق في الحلف!


رأي السفير في العراق مخالف لرأي السفير في واشنطن


يُلاحظ أن رأي السفير البريطاني في العراق كما يظهر في برقياته يختلف عن رأي السفير في واشنطن، إذ كتب سفير بريطانيا في العراق في برقية يوم 12/8 أن العراقيين يريدون التحالف والتعاون مع مصر وليس الانضمام لها، وأن تبقى العلاقات مع بريطانيا على ما هي عليه أو تقويتها عما كانت عليه سابقاً.


وفي رسالة السفير يوم 9/8 بين أن العداء لبريطانيا كان عند المتطرفين الذين خاب أملهم لأن الحكومة الجديدة لم تظهر طبيعة وطنية معادية للغرب.


وبين السفير أن الثورة أطلقت جميع أنواع التذمر ضد رجال العهد السابق، وأن الطبقات الوسطى سعيدة بالتغيير الذي تم في العراق وبخاصة أن الحكومة الجديدة خفضت أسعار اللحم والخبز والبنزين والإيجارات، وأنها مطمئنة أن الشعب أعطاها ثقته بإخلاص.


 ولاحظ السفير أنه لم تكن هناك مقاومة للثورة وأنه لم يكن في العراق شخصية بارزة واحدة ترفع صوت المقاومة في وجه من غَيّر الحكم بضربة واحدة.


[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock