أفكار ومواقف

تكافل الجميع في مواجهة ارتفاع الأسعار

خالد دلال

لعله الأمر الذي يحظى بمساحة واسعة من أحاديث المواطنين: وهو شعورهم، بل ملامستهم، لارتفاع العديد من أسعار المواد الغذائية وغيرها في السوق المحلي.

وفي حين أن الأسباب عالمية في أساسها، كأحد تداعيات نحو ثلاثة أعوام، وما تزال، على الهجوم الكوروني على البشرية، وما تبعه من تعطل مزمن في سلاسل الإنتاج والتوريد، وشح وارتفاع أسعار المواد الأولية، وصاروخية كلف الشحن، وعوامل التغير المناخي وتأثيرها على قطاعات المياه والزراعة والصناعة والنقل وغير ذلك من أسباب.

وقد يكون أيضا بسبب جشع بعض التجار والمستوردين، إلا أن الحلول في التعامل مع هذا الأمر وغيره، كانت وما تزال بين أيدينا، إن طبقنا المثل العربي الشهير: “يد الله مع الجماعة”. ولتحقيق النجاح، فإن الأمر يتطلب العمل على مستويات عديدة، منها القطاع الخاص والحكومة، وأخيرا المواطنون أنفسهم.

ومنها أن يقوم ائتلاف من التجار، وسيتبعهم غيرهم، بإعلان تثبيتهم للأسعار أو حتى تخفيضها، مع إقرارهم وتحملهم لما يرافق ذلك الأمر من انخفاض في الأرباح، وذلك من باب تكافلهم الحقيقي مع المجتمع في زمن كورونا الصعب. وليكن ذلك جزءا من مسؤوليتهم المجتمعية إن أرادوا، بل إنه واجب وطني وديني وإنساني.

ومنها أن يقوم التجار بالبحث عن أسواق بديلة بأسعار أقل للاستيراد، مع ضمان ثبات نوعية المنتج ضمن المعايير المحلية والعالمية. وفي هذا المجال، فإن هناك العديد من التجارب الناجحة لمنتجات من أسواق عالمية ذات جودة عالية وبأسعار أقل مما هو بين أيدينا.

خذوا مثلا الارتفاع الحاصل في أسعار القهوة محليا، علما أن هناك العديد من الأصناف الأفضل جودة والأقل سعرا في الأسواق إقليميا وعالميا.

ومنها أن تقوم الحكومة بالتدخل، ضمن صلاحياتها التي لا تتعارض مع التزامات اتفاقات التجارة العالمية والقوانين المحلية، للحد من ارتفاع الأسعار من خلال النظر مجددا في تخفيض ضريبة المبيعات والرسوم الجمركية، وتسهيل إجراءات الاستيراد من أسواق جديدة، ومحاربة الاحتكار. ولنا في الأيام الماضية مثالا.

فوفق تقرير لصحيفة الغد مؤخرا، “فما إن أعلنت الحكومة عن فتح باب استيراد الأغنام من جورجيا، حتى بدأ مستوردو وتجار اللحوم بتخفيض الأسعار ونشر العروض التوفيرية على اللحوم المستوردة”.

ومنها أن تنتهج المؤسسات الاستهلاكية العسكرية والمدنية تطبيق حملات لتخفيض الأسعار، أسبوعية وليست موسمية، وما يتبع ذلك، وكما نشهد دوما، من قيام كبرى الأسواق التجارية الخاصة بالمثل، ما يصب في النهاية في مصلحة المواطنين وعائلاتهم.

ومنها على مستوى المواطن، وهو جزء من الحل، في مساعدة بعضنا بعضا، وأبواب الخير كثيرة لمن أرادها في ظل محدودية المداخيل وشحها لدى شريحة واسعة من المجتمع، إضافة إلى نسب الفقر المتفاقمة.

ومنها إعادة المواطنين أنفسهم النظر في أنماطهم الشرائية والاستهلاكية، ووضع كوابح لها. فما يعرف بعقلية “حمى الاستهلاك المبرر وغير المبرر” يجب أن تنتهي. وعلينا التعلم من تجربة كورونا القاسية في كيفية إعادة ترتيب قرارات الشراء اليومية والأسبوعية والشهرية، بما يتفق مع ما نحتاجه فعلا، وما نستطيع تحمل كلفته.

الحقيقة الكبرى التي علينا جميعا إدراكها في نهاية المطاف أننا دولة تستورد، ووفق أرقام وزارة الصناعة والتجارة والتموين، نحو 80 % من احتياجاتنا الغذائية، ما يعني أننا سنبقى عرضة لتقلبات الأسعار العالمية وجنونها، وهو ما يحتم علينا أن نعمل جميعا، يدا واحدة، لتطبيق مبدأ: “لنأكل مما نزرع”. وهذا، على بساطته، أحد أسس الدول القوية.

المقال السابق للكاتب

أنقذوا الأونروا

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock