أخبار محليةاقتصادتحليل إقتصادي

تكرير النفط: اعتراف رسمي بكلفه الاقتصادية وما نزال ننتظر الحل الجذري!

جواد جلال عباسي

عمان– في اجتماعات نواب المبادرة النيابية مع الحكومة العام 2014 طلب مني تقدير كلفة التكرير المحلي في الأردن مقابل كلفة استيراد المشتقات النفطية كاملة.
وأكدت نتائج التحليل أن تكرير النفط الخام في الأردن لإنتاج المشتقات في العام2012 مثلا كلف الاقتصاد الوطني 129 مليون دينار زيادة في كلفة الطاقة.
أي أن التكرير بالوضع الحالي بالمصفاة (أي قبل تحديثها وتوسعتها وبأسلوب نقل النفط الخام بالشاحنات) شكل كلفة مباشرة وحقيقية على الاقتصاد بحوالي نصف بالمائة من حجم الاقتصاد السنوي وحوالي 3 % من مجمل فاتورة الطاقة بالأردن و 10 % من عجز الخزينة السنوي لتلك السنة. ولا تشمل هذه الكلفة الكلف الخارجية على الاقتصاد (externalities) مثل كلف الأمراض بسبب نسب الكبريت العالية في الديزل وتأثير نقل النفط الخام بالشاحنات على الطرق وعلى تلوث بلدة الهاشمية في الزرقاء بسبب نشاط التكرير.
وبخصوص التلوث الناتج عن مستويات الكبريت أساسا ماتزال منتجات الشركة من المشتقات النفطية مستثناة من تطبيق المواصفة الأردنية بقرار غريب من مجلس الوزراء.
منذ 2014 إلى الآن والموضوع في شد وجذب ونفي مستمر من قبل شركة مصفاة البترول. الجواب كان جاهزا: كلا … التكرير المحلي بالوضع الحالي كفؤ جدا وأرخص من استيراد المشتقات جاهزة من الخارج.
وكان الوضع أن الحكومة تضمن للشركة ربحا سنويا من قطاع التكرير بقيمة 15 مليون دينار سنويا بين 2012 و 2017 بغض النظر عن اقتصادات التكرير نفسها وكلفة المشتقات المكررة النهائية مقارنة مع كلفة استيرادها مباشرة.
لكن في العام 2018 أتت لحظة الحقيقة التي طالما انتظرناها. في نيسان (ابريل) 2018 انتهى التزام شركات تسويق البترول بشراء كافة انتاج المصفاة المكرر محليا وصار لها حق استيراد المشتقات النفطية مباشرة.
في العام ذاته، انخفض حجم التكرير المحلي بنسبة 15 % ليصل الى مليونين و236 الف طن خام مكرر في 2018 عن مستوى 2017 وكان الانخفاض بنسبة 23 % عن مستوى 2016. وهذا بسبب تأثير نصف سنة فقط مما يجعلنا نعتقد أن الانخفاض في 2019 كان سيكون بأكثر من الثلث عن مستوى 2017.
فيما زاد استيراد شركة المصفاة ذاتها من المشتقات النفطية بنسبة 3 % ليصل إلى مليون و368 الف طن مشتقات مكررة جاهزة. وارتفعت كلفة المصاريف الصناعية للمصفاة لتتجاوز 68 مليون دينار في 2018 مقابل أقل من 65 مليونا في 2017. وعليه، ارتفعت كلفة تكرير الطن الخام في المصفاة إلى 29 دينارا بارتفاع 24 % عن كلفة 2017 و 43 % عن الكلفة في 2015.
ولتأكيد تحليل الأرقام أعلاه، هناك اعتراف جلي وواضح من الشركة نفسها بعدم تنافسية منتجها المكرر محليا من ناحية الكلفة.
فالشركة قامت بالاستحواذ على محطات شركة جولف في الأردن لغاية “تصريــف وتســويق منتجــات مصفــاة البتــرول مما يمنع تكدس منتجاتها” بحسب التقرير السنوي للشركة عن العام 2018.
أي أن سبب رئيسي لشراء المحطات هو تأمين بيع 300 مليون لتر من المشتقات سنويا من إنتاج المصفاة.
فلو أن الكلفة أرخص من الاستيراد لماذا ستختار شركات التسويق الاستيراد بدلا من شراء كامل انتاج المصفاة المحلي وفقط استيراد ما يزيد عن قدرة المصفاة المحلية؟ كذلك، فإن الشركة أفصحت في التقرير السنوي أن التكرير سيقل في 2018 وما بعده لضمان الكلفة المثالية!
وههنا لربما يجب التمحيص أكثر في أسعار البيع المحددة من قبل الحكومة والتي قد تكون محددة بأسلوب يسمح للمصفاة بالاستمرار بالتكرير المحلي على الرغم من كلفة التكرير العالية.
أي أن السعر المحدد قد يكون فيه هامش ربح عال جدا – بدون داع حقيقي- مما يزيد من أرباح من يختار الاستيراد وهو الاختيار المنطقي.
تلخيصا، الشركة التي طالما أصرت أن التكرير محليا -قبل تحديث المصفاة بمشروع التوسعة الرابع المنتظر- اقتصادي ومنافس وكلفته أقل من استيراد مشتقات جاهزة تعترف أخيرا أنه بانتهاء إلزام شركات التسويق بشراء كل انتاج المصفاة فإن الشركات غير المملوكة لها ستختار الاستيراد المباشر بدلا من الشراء مباشرة منها (في حالة توفر القدرة التخزينية للمشتقات المستوردة). مما يعني أن كلفة الاستيراد المباشر بدون أي شك ارخص من التكرير المحلي حاليا، ناهيك ان الاستيراد المباشر أقل تلويثا من تكرير النفط الخام محليا ضمن الوضع الحالي للمصفاة.
للتذكير، فإن التكرير محليا في الأردن بتقنية قديمة غير كفؤة كان مناسبا من ناحية اقتصادية بحتة طالما كان تزويد الأردن من الخام الرخيص العراقي الذي كان يأتي قبل 2003 بسعر أقل كثيرا من السعر العالمي.
منذ 16 سنة كان الإصرار على التكرير المحلي كبد الاقتصاد الوطني زيادة في كلفة الطاقة السنوية، كان من الأمثل ألا يتحملها لو كانت استراتيجية الطاقة موضوعية تركز أساسا على الكلفة الأمثل للاقتصاد الوطني.
مرت 16 سنة من عدم الكفاءة تتحمل مسؤوليتها الحكومات المتعاقبة التي استمرت بالرقص حول موضوع احتكار المشتقات النفطية!
الاهم أن هذه الكلفة الإضافية على الاقتصاد تؤكد الحاجة إلى تفعيل وإدخال المنافسة الحقيقية في سوق المشتقات النفطية؛ استيرادا أو تكريرا، لتكون ديناميكة المنافسة وغياب أي احتكار هي الأساس. بحيث تستطيع الحكومة أن تحصلها كإيراد ضريبي إضافي يسد حوالي خمس العجز السنوي من دون رفع الأسعار على المستهلكين.
ما المطلوب؟
بالنسبة للمصفاة نفسها فإن التركيز على تقليل أو حتى إنهاء التكرير المحلي لغاية الانتهاء من مشروع التحديث والتوسعة قد يكون مفيدا لربحها، بالإضافة إلى فائدته البيئية للأردن.
فالتكرير المحلي بحسب الإفصاح 26 في الميزانية يكلف حوالي 19 مليون دينار سنويا من مواد أولية ومصروفات صناعية بدون حساب مصاريف رواتب الموظفين. ماذا لو تم استثمار هذا المبلغ في منشآت تخزين المشتقات والتحول نحو المتاجرة المشتقات كباقي شركات التوزيع وتوقيف التكرير لغاية الانتهاء من مشروع التوسعة. كم سيزيد من ربحية المصفاة نفسها؟، هذا سؤال للمساهمين لربما يجب ان يبحث بشكل واف.
بالنسبة للحكومة، نذكرها مرة أخرى، بالالتزام الحكومي أمام النواب العام 2014. واقتبس هنا بالحرف ما أعلنته الحكومة سابقا ضمن مناقشة قطاع الطاقة مع البرلمانيين في وثيقة “خلاصة السياسات الإصلاحية المقترَحة في قطاع الطاقة وتوصياتها الإجرائية” المنشورة في شباط (فبراير) 2014 والتي شاركت بمناقشاتها:
” إن ضمان الكلفة المثلى في جميع القطاعات الاقتصادية، لا يكون إلاّ بمنافسة حقيقية، مع رقابة حكومية صارمة تمنع التركُّز والاحتكار. وهذا ينطبق على القطاع النفطي الخاضع للمنافسة الحقّة في معظم دول العالم المتقدم.
إن الخطوات الحكومية الحالية للوصول إلى قطاع نفطي تنافسي بلا احتكار هي الأنسب لحصول الاقتصاد الأردني على أفضل كلفة من دون تشوهات الدعم والاحتكار.
لقد تركزت السياسات والتوصيات الخاصة بإصلاح قطاع النفط والمشتقات النفطية على المحاور التالية: الإسراع في إصدار القوانين والتعليمات اللازمة لإصلاح القطاع النفطي، ونشاط التكرير في مصفاة البترول الأردنية، وأسعار المشتقات النفطية، وتخزين المشتقات النفطية ومناولتها.”
وكذلك:
•الالتزام بتحرير سوق المشتقات النفطية، وعدم تمديد الفترة الانتقالية الممنوحة للمصفاة التي تمتد لست سنوات اعتباراً من شهر أيار (مايو) 2013.
• قيام الحكومة بعد الفترة الانتقالية المشار إليها في التوصية (1) أعلاه، بتحديد السقف الأعلى لسعر المشتقات النفطية كل شهر، لتتنافس شركات التسويق في ما بينها على الخدمة و/ أو على السعر.
• توحيد الضرائب على المشتقات النفطية وتبسيطها، لتصبح مقطوعة على اللتر الواحد تضاف إلى أسعار المشتقات النفطية مما يسهّل عملية تحصيلها “
وليكن السعر الأعلى محددا شهريا بحسب سعر المشتقات السوقي عبر النشرات العالمية المعتمدة بدون تحديد حد ادنى للسعر. بحيث تكون المنافسة حقيقية وتخطط شركات التسويق لاستخدام العقود المستقبلية لتخفيض الكلف وزيادة الربح. مع ضرورة أن تلتزم شركات التسويق بالبيع بنفس السعر لكافة المحطات سواء المملوكة لها أو المستقلة. ومع السماح لمحطات المحروقات بالاستيراد المباشر ان أرادوا.
موضوعيا، قد يكون هناك معوقات أمام التحول الفوري إلى فتح باب المنافسة الكاملة والسماح بإمكانية الاستيراد الكامل للمشتقات بانتظار توسيع وتحديث المصفاة ومنها محدودية سعات ميناء العقبة الحالية لمناولة مزيد من استيراد المشتقات.
هذه المعوقات ليست حجة ضد التحرير والمنافسة بل عقبات أمام وجود سوق تنافسي ينبغي تذليلها. ووجود ثبات في استراتيجية التحرير وثقة باستمرارها وعدم الرجوع عنها لربما يكون العامل الأساس في تشجيع الاستثمارات من قبل المتنافسين من القطاع الخاص في سعات التخزين وطرق الاستيراد لتجاوز هذه المعوقات.
الأساس أن ننتبه إلى أمن الطاقة وكذلك إلى الكلفة الأمثل. وهذا يكون بإدخال المنافسة الحقة الى قطاع المشتقات النفطية. وما نزال بانتظار خضوع سوق المشتقات النفطية للتنافس الكامل في الاردن منذ 2003.
تذكيرا، لو اكتفت الحكومة بالقيام بدور المنظم الضامن لوجود المنافسة الفاعلة الحقيقية بين مزودي ومستوردي المشتقات النفطية لحصل الاتي:
-ستحدد الحكومة السقف الأعلى لسعر المشتقات النفطية كل شهر وتتنافس المحطات فيما بينها على الخدمة و/أو على السعر. أي أن السعر سيختلف من محطة لمحطة ومن موقع لموقع. مع تحديد الحكومة للمواصفات القياسية لكل مشتق، بالإضافة إلى الحد الأعلى لسعره.
-سيجذب الأردن استثمارات جديدة في مرافق تخزين ومناولة المشتقات النفطية من قبل الشركات المتنافسة.

  • قد يدفع المستهلكون في العقبة ومعان والكرك والطفيلة اسعارا للبنزين والديزل والكاز اقل من التي سيدفعها اهل عمان والزرقاء.
    -ستقل الفاتورة النفطية الكلية للاقتصاد الأردني بسبب المنافسة مع ثبات تحصيل الحكومة الضريبي من المشتقات النفطية.
    -ستزيد جودة المشتقات النفطية المتوفرة بالسوق.

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1830.52 0.02%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock