أفكار ومواقف

تكسي البسوس وباصات داحس والغبراء

كان كليب بن ربيعة التغلبي أعز العرب في زمانه في الجاهلية. وعندما رأى ناقة البسوس ترعى أرضاً في حماه، أمر بقتلها. والبسوس هي خالة جساس بن مرة البكري، شقيق جليلة زوجة كليب. أخذ جساس يترقب الفرص، حتى اغتال كليباً زوج شقيقته؛ فثارت قبيلة تغلب بقيادة المهلهل لدم كليب، ونشبت الحرب بين الحيين أو العشيرتين “تغلب” و”بكر”. ولحقت جليلة بنت مرة بأبيها وقومها بعد مقتل زوجها كليب، وكانت حاملاً، فولدت البجرس الذي رباه خاله جساس. ولما شب واكتشف نسبه لأبيه كليب، قتل خاله جساساً ولحق بقومه “تغلب”.. وهكذا استمرت الحرب بين “تغلب” و”بكر” أربعين سنة، وفنيت تقريباً العشيرتان.
ولهذه الحرب أيام مشهورة من أيام العرب؛ مثل يوم الذئاب، ويوم عنيزة، ويوم أردات، ويوم قضة، ويوم التحاليق.
ومن زعماء “تغلب” المشهورين، الشاعر عمرو بن كلثوم، صاحب إحدى المعلقات. وفي محاكمة بين قبيلة “تغلب” وقبيلة “بكر” أمام ملك الحيرة عمرو بن هند، فشل عمرو بن كلثوم في الدفاع عن قبيلته، فرجع إليها محبطاً وساخطاً بعد أن تفوق عليه الحارث بن حلّزة في الدفاع عن قبيلته “بكر”. لكن عمرو بن هند -كما يبدو- حاول مجاملته أو إذلاله، فدعاه وأمه لزيارته وضيافته. فحصل أن والدة عمرو بن هند قالت لأم ابن كلثوم وهي تعد القرى للضيوف: ناوليني ذاك الطبق. فصرخت أم عمرو بن كلثوم: واتغلباه! واذّلاه! فغضب ابنها عمرو واستل سيفه من غمده وصرع به عمرو بن هند (570م)، وولى وأمه وجماعته الأدبار. ثم أصدر قصيدته المعروفة، ومنها هذه الأبيات:
بأي مشيئة عمرو بن هند
تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
ملأنا البر حتى ضاق عنا
وكذاك البحر نملأه سفينا
إذا بلغ الفطام لنا صبي
تخر له الجبابر ساجدينا
ونشرب إن وردنا الماء صفواً
ويشربه غيرنا كدراً وطيناً
وقد انتشرت هذه القصيدة وصارت على كل لسان. غير أنها لاقت السخرية من قبيلة “بكر”، تجلت في قول أحد شعرائها (لعله الحارث بن حلزة) الذي يذم فيه بني تغلب:
إلهى بني تغلب عن كل مكرمة
    قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أولها
    يا للرجال بشعر غير مسؤوم
أما داحس والغبراء، فهما اسمان لفرسين، وقعت على إثر سباق بينهما حرب بين قبيلتي “عبس” و”ذبيان”، استمرت أربعين سنة، أفنى فيها كل منهما الآخر، ليؤكد أن فرسه كانت الفائزة في السباق. وكان من أشد أيامها يوم المريقب الذي تجلت فيه “بطولة” عنترة بن شداد العبسي، صاحب المعلقة المشهورة التي مطلعها:
هل غادر الشعراء من متردم
أم هل عرفت الدار بعد توهم
لقد أبلى عنترة في المعركة لينال حريته. فقد ظل يعتبر عبداً، نسبة إلى (العبدة) أمه، وكان يحب عبلة الحرة، ويريد أن يتزوجها لولا أن العبودية تمنعه:
ولقد ذكرتك والسيوف نواهل
وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل رماح لأنها
لمعت كبارق ثغرك المتبسم
القصد من إعادة قصتي “البسوس” و”داحس والغبراء” الجاهلتين، الادعاء أن العرب ما يزالون يتمسكون بتلك العقلية التي تسببت فيهما وعلى أمور تافهة. وأنهم لم ينشغلوا في قضيتي الحب والحرية في الجاهلية والإسلام، وظلّوا أشد في العداوة لذوي القربى من شدتهم على العدو المشترك. فالقبيلتان في كل معركة شقيقتان أصلا، وإن ناقة البسوس وداحس والغبراء ما تزالان حاضرتين فينا إلى اليوم، ولكن بمسميات عصرية جديدة، مثل تكسي البسوس، أو سيرفيس البسوس، أو مدرسة البسوس، أو باصات داحس الغبراء، أو بسطات داحس والغبراء، أو مستشفى داحس والغبراء … فعندها أو بسببها تسيل الدماء وتحدث الجلوة ويؤخذ الثأر من الأبرياء، على أولوية طريق أو الفوز براكب.
السؤال: “هل نحن صانعون للثقافة أم مستهلكون لها؟”. إن أمواتنا قبل نحو ألفي سنة ما يزالون يحكموننا أو يتحكمون بعقليتنا ومزاجنا، وما لنا -كما يبدو- مما ورثونا منهم من فكاك.

تعليق واحد

  1. توظيف ، وتسخير ، ما يحمل الماضي ، من جهل ، وتعصب.
    لا علاقة لما حدث من قتال مرير ، بين بعض القبائل العربية المتناحرة ، في عصر الجاهلية ، وما بين ما يحدث الآن ، في عالمنا العربي من تناحر ، وتشرذم ……………… فالمعارك التي كانت تحدث ، ما بين بعض القبائل العربية ، ليست إلا نتيجة لانتشار الجهل ، والتعصب ، وعدم ارتباط تلك القبائل بالديانات السماوية ، التي تنظم علاقات تلك القبائل ، ما بينها البعض ، في صحراء قاحلة ………………… وذلك عكس ما يدور ، وما يحدث الآن في عالمنا العربي المترامي الأطراف ، والذي يمثل ثروات ، وكنوز ، وخيرات طبيعية هائلة ، لم تكن متوفرة ، في صحاري قاحلة ، تزيد مساحتها الحالية عشرات الأضعاف عن مساحة تلك الصحاري التي كانت تتقاتل ، وتتناحر فوق رمالها بعض القبائل العربية ……………… إن ما يحدث الآن ، ليس سوى محاولة توظيف ، وتسخير تلك النعرات القبلية ، لخدمة مصالح الأجنبي ، وليس لمصالح القبائل ، والشعوب العربية ، وذلك من خلال تطبيق سياسة فرق تسد الاستعمارية ………………….. رغم ارتباط بعض أنظمة الحكم الفاسدة في المنطقة ، ببعض تلك القبائل ، والتي اندثرت منذ مئات السنين ………………. إن ما يحدث الآن في المنطقة ، من اقتتال ، وتناحر ، ليس ما بين القبائل العربية ، بل ما بين أنظمة الحكم الفاسدة ، والشعوب العربية في المنطقة ………………… ذلك الاقتتال ، والتناحر ، والذي لا يمثل في الواقع ، سوى صراع على الحكم ، والسلطة ، ومحاولة مستميتة من قبل أنظمة الحكم الفاسدة ، كي تستمر في خدمة مصالحها ، ومصالح الأجنبي ، وعلى حساب مصالح قبائل ، وشعوب المنطقة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock