ترجمات

“تلفريك” فوق القدس؟ البعض يرون فيه تحويلاً “ديزنيّاً”* للمدينة المقدسة

مايكل كيميلمان – (النيويورك تايمز) 13/9/2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

القدس – لدى النظرة الأولى، تبدو “المدينة القديمة” في القدس والمناطق المحيطة بها ما تزال كثيرة الشبه بما قد يكون تكوينها قبل قرون. ما تزال الجدران الصفراء في “المدينة القديمة” تعرض صورة ظلية على خلفية مشهد قديم من التلال والأودية الجافة. وما تزال المعالم الإسلامية والمسيحية العظيمة للمدينة تهيمن على خط الأفق السماوي: قبة الصخرة الذهبية المتلألئة؛ وكنيسة القيامة، حيث قيل إن يسوع المسيح قد دفن.
لكن هذا التكوين يوشك على التغُّير؛ فقد وافقت السلطات الإسرائيلية على خطة لبناء خط “تلفريك” يفضي إلى الحائط الغربي، أقدس موقع في العالم اليهودي، بحلول العام 2021.
وستكون هذه هي المرحلة الأولى مما يتصوره المؤيدون للمشروع أسطولاً من عربات “التلفريك” التي تتدفق على مجمع المواقع المقدسة في المدينة، المعروف باسم “الحوض المقدس”.
لكن هذه الخطة، التي يهلل لها قادة اليمين الإسرائيلي كحل أخضر لتحديات زيادة السياحة وحركة المرور في المدينة القديمة وما حولها، أثارت صيحات الاحتجاج من الإسرائيليين المروَّعين من أنصار الحفاظ على التراث والبيئيين والمخططين والمهندسين المعماريين وغيرهم ممن يتصورون عالماً قديماً عريقاً يجري تحويله إلى نسخة مُهوَّدة من متنزه الثيمات الأميركي “إيبكوت” في “ديزني لاند”، حيث يحشتد آلاف الركاب في كل ساعة في جندولات ضخمة معلقة تشق عنان السماء.

مشهد القدس من المقبرة اليهودية في جبل الزيتون – (المصدر)


يقول المهندس المعماري إسرائيلي المولد، موشيه سافدي: “(هذا) جموح غامر ضد مدينة هشة. إنه إهانة جمالية ومعمارية.”
يوم الثلاثاء، تعهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يكافح من أجل الفوز بإعادة انتخابه، بأنه سيقوم في حال عاد إلى منصبه بضم ما يقرب من ثلث الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة، مما يختزل أي دولة فلسطينية قد تنشأ في المستقبل إلى مجرد جيب محاصر. وقد رفض النقاد الإسرائيليون ذلك الإعلان باعتباره خدعة انتخابية في اللحظة الأخيرة، لكنه كان متوافقاً مع سياسات “استخدام الأراضي” التي أقامت بها إسرائيل، على مدى نصف قرن من الزمن، عمارة متقنة مبتكرة للاحتلال.
يعرِض مشروع التلفريك مثالاً على الكيفية التي تمارس بها إسرائيل العمارة والتخطيط الحضري لتوسيع سلطتها في المناطق المحتلة. وبغض النظر عن مزايا العبور السريع التي يوفرها المشروع، والتي يقول النقاد أنها لا تُذكر، فإن التلفريك يحاول أن يرسم سرداً يهودياً بالتحديد للقدس، وبطريقة تعزز المطالبات الإسرائيلية بالأجزاء العربية من المدينة.
كما أنه يبيّن كيف تعتنق حكومة إسرائيل الحالية نظرة أقل تقديساً للمحافظة على التراث من سابقتها –حيث تقوم، لأغراض سياسية، برفع الحماية عن المشهد الطبيعي والتراث اللذين يجعلان هذه المدينة رمزاً عالمياً للأديان والتاريخ.
تتمثل الخطة بشكل أساسي في ما يلي: معلقةً من أبراج وأعمدة عملاقة، والتي يتم دخولها عبر محطات عالية مغلقة بالزجاج، سوف تنقضّ عربات التلفريك هابطة من حيٍّ يهودي في الجزء الغربي من القدس إلى جبل صهيون (جبل النبي داود). وسوف تُلِم، حيثما أمكن ذلك، بأطراف المقابر اليهودية، في التزام بالحظر التوراتي على المرور فوق المقابر.
ومن جبل صهيون، ستهبط العربات بالقرب من الحائط الغربي، (حائط المبكى) على سطح ما سيكون مركزاً جديداً متعدد الطوابق لمؤسسة استيطانية يهودية يمينية تسمى “مؤسسة مدينة داود”، وسط حي فلسطيني في القدس الشرقية اسمه سلوان. وتشرف مؤسسة “مدينة داود” على أعمال الحفريات الأثرية التي تركز على اكتشاف بقايا يهودية توراتية بغية إقامة صلة يهودية قديمة بموقع متنازع عليه. وتعتبر إسرائيل القدس الشرقية مضمومة، لكن القانون الدولي يعتبرها أرضاً محتلة.
على مدى سنوات، حاولت “المؤسسة” أيضاً طرد الفلسطينيين من الحي ونقل المستوطنين إليه. وتعمل جهود الآثار يداً بيد مع جهود المستوطنين للضغط من أجل تكريس المطالب اليهودية بالمنطقة وفرض تنفيذها على الأرض.
سيتم نقل ركاب التلفريك عبر نسخة يهودية من تاريخ المدينة. وبعد الترجُّل من العربات في “مدينة داود”، سيمكنهم التجول في الموقع الأثري، ثم السير تحت الأرض إلى الحائط الغربي عبر ممرات هيرودية كان يسلكها الحجاج اليهود خلال عصر الهيكل الثاني، والتي تم حفرها جزئياً الآن تحت منازل العائلات الفلسطينية في سلوان.
ناهيك عن احتمال هدم العديد من المنازل العربية لإفساح المجال أمامه، يتظاهر التلفريك فعلياً بأن سلوان ليس موجودة هناك على الإطلاق. وسوف يطير السياح فوق فلسطينيي سلوان ويسيرون في الأنفاق تحتهم من دون الحاجة إلى مقابلتهم.
يمكن أن تستدعي هذه الخطة إلى الذهن ما تسمى “الطرق الالتفافية” التي أنشأتها إسرائيل، والتي يمكن أن تُسرع بالمستوطنين اليهود في الضفة الغربية المحتلة إلى القدس بأمان ومن دون المرور عبر المدن الفلسطينية.
يقول جواد صيام، أحد سكان سلوان والذي تم إخلاء أفراد من أسرته مؤخراً من جزء من منزلهم لإفساح المجال لمستوطني “مدينة داود”: “من المفترض أن يستفيد العرب من استخدام التلفريك. لكن التلفريك لا يدور حول حل مشكلاتنا. إنه يتعلق بإنشاء المشكلات”.
ويؤكد السيد صيام على أنه إذا كانت السلطات الإسرائيلية تريد حقاً أن تعود بالنفع على السكان العرب، فإن عليها أولاً إصلاح الطريق المزدحم، الضيق، الخطير والمليء بالأخاديد الذي يكون غير قابل للاستخدام في كثير من الأحيان، والذي يشكل السبيل الوحيد من سلوان وإليها بالنسبة لآلاف السكان الفلسطينيين.
ويضيف صيام: “سلوان كبيرة وجبلية. ليس لدى معظمنا حتى طريق سهل للوصول إلى خط التلفريك”.
يرفض أنصار التلفريك الانتقادات. ويجادل نير بركات، عمدة القدس السابق الذي أصبح الآن عضواً عن حزب الليكود في البرلمان الإسرائيلي، بأن القدس “تتخلف كثيراً عن الأماكن الأخرى من حيث النقل العام”. ويقول أن هذه الخطة تنطوي على “تفكير خارج الصندوق”.
ويصف نير نوعاً من المستقبل الشبيه بأجواء مسلسل الكرتون الأميركي “عائلة جيتسون” الذي يعرض مستقبلاً يوتوبياً، حيث تنطلق عربات التلفريك في نهاية المطاف إلى جبل الزيتون، هبوطاً إلى حديقة جثسيماني، وتتوقف مرة أخرى في سلوان، بجوار بقايا ما يقول مسؤولو “مدينة داود” أنه “بركة سلوام”، حيث كان الحجاج اليهود القدماء يغتسلون ويطهرون أنفسهم قبل الصعود إلى جبل الهيكل.
نعم، كما اعترف السيد بركات، إن الخطة تروج أيضاً لمدينة داود.
ويقول: “هذا هو العنصر الصهيوني في المشروع. إن مدينة داود هي الدليل النهائي على ملكيتنا لهذه الأرض”. وأشار العمدة السابق إلى أنه من أجل الذهاب من هناك إلى حائط المبكى، فإن ذلك يعني سلوك “الطريق الذي كان يأتي فيه الحجاج اليهود ليعبدوا الله في المدينة القديمة”. عندما “لم يكن هناك مسيحيون أو مسلمون”.
وهو يتوقع أن تكون الجندولات الطائرة ومحطات التلفريك أقل تطفلاً على مشهد الأفق مما يخشاه النقاد. ويقول “إنها مسألة ذوق وتصوُّر”.
يوافق المهندس المعماري لهذه المحطات، مندي روزنفيلد. وقد ابتكر تصميمات الزجاج بحيث تبدو غير مادية قدر الإمكان. ويعترف: “لا توجد طريقة تستطيع بها إخفاء نظام تلفريك”.
لكن السيد روزنفيلد يستشهد بهرم المهندس المعماري الصيني-الأميركي “إي.إم بي” في متحف اللوفر، وهو هيكل زجاجي متطفل حداثي التكوين في الفناء التاريخي للقصر الملكي السابق في فرنسا. وكان المشككون قد هاجموا الهرم قبل افتتاحه.
يقول السيد روزنفيلد: “الآن، الكل يحبونه”.
لكن القدس ليست باريس.
بعد أن عمل كمهندس معماري ومخطط في عدد من المشاريع في “الحوض المقدس” على مدار سنوات عديدة، يتذكر غافرييل كيرتيز كيف اعتاد المسؤولون الإسرائيليون أن يكونوا “حساسين جداً تجاه أي تدخل أو تطفل صغير على هذا المكان المقدس”.
في مدينة تتميز هويتها منذ فترة طويلة بمبانيها الخفيضة المكسوّة بالحجارة، توافق السلطات الإسرائيلية الآن على إنشاء أبراج زجاجية بارتفاع 40 طابقاً وتطوير مجمع للمكاتب بطريقة “النسخ واللصق” والتي تتماشى مع سنغافورة أو جاكرتا أكثر مما تفعل مع القدس.
ويقول السيد كيرتيس، بأسى: “يبدو أن إقامة غابة من الأبراج الضخمة ومحطة تلفريك شاهقة على جبل صهيون أصبحت شأناً مقبولاً ولا بأس به، أيضاً”.
لم تفُت على السكان العرب حقيقة أن الحكومة اختارت مناسبة “يوم القدس” العام الماضي للإعلان عن خطة ميزانية التلفريك. ويحيي “يوم القدس” ذكرى احتلال إسرائيل للقدس الشرقية خلال حرب الأيام الستة في العام 1967.
منذ ذلك الحين، تقوم إسرائيل بإعادة رسم الحدود بطريقة استراتيجية وبناء الطرق والجدران والمستوطنات اليهودية الضخمة لحماية اليهود -وإنما أيضاً للسيطرة على الأحياء العربية وتقسيمها وتطويقها والحد من توسعها.
وحتى كسوة مباني المستوطنات في القدس الشرقية من حجر القدس، الزي المعماري الذي تتحلى به المباني في القدس الغربية اليهودية، صُممت لتساعد في نشر صورة عن مدينة يهودية واحدة.
يقول المنتقدون إن التلفريك هو جزء من هذا الجهد نفسه لغرس سرد يهودي للقدس المحتلة في الأذهان. ويقول روني إيلينبلوم، أستاذ علم الاجتماع والجغرافي التاريخي في الجامعة العبرية: “أكثر من الديموغرافيا، هذه هي جبهة المعركة الحقيقية للسيطرة على المدينة”.
ويستعرض إلينبلوم التغايُر بين التأثير المعماري للتلفريك -“مستقيم، غير مرن، وتلقيني”- وبين متاهة البلدة القديمة من الأحياء المسيحية واليهودية والإسلامية، والتي تتطلب “أن تمر عبر كل أنواع الأماكن قبل أن تصل إلى وجهتك، وتختلط، وتشعر بأنك ضِعت، وبأنك وجدت نفسك في نهاية المطاف”.
ويقول: “المدينة القديمة عالمية، غير قابلة للسيطرة، ومجال عام متعدد الثقافات. إنها القدس التاريخية. ويعبر التلفريك، بإضفائه طابعاً ‘ديزنياً’ على المدينة، عن فشل إسرائيل اليوم في السيطرة على هذا المجال العام”.
تجنبت مدينة القدس الحديثة مثل هذا الطابع، أولاً بسبب ثقافة الاستعمار البريطاني الارستقراطية، الشغوفة بماضي المدينة الأثري العتيق، ثم الحكم الأردني الذي أبقى المدينة القديمة على حالها كما لو أنها محفوظة في الراتينج.
ثم بعد العام 1967، روج تيدي كوليك، عمدة القدس، بينما لم يكن بطلاً للفلسطينيين في واقع الأمر، لمفهوم بوتقة الصهر العالمية، التي تكون أكبر من أي سرد مفرد أو دين مفرد. وعكست توجهاته العالمية موقفاً يعبر عن الثقة الإسرائيلية، وفقًا للسيد سافدي، المهندس المعماري.
بعد العام 1967، عمل السيد سافدي في مشاريع مختلفة في المدينة القديمة، بما في ذلك حول حائط المبكى، الذي يطلُّ عليه الآن من منزله. ويقول أن الحائط الغربي هو “أثر قديم، متواضع، موقع قديم للحزن والخسارة. إنه القلب الحقيقي لليهودية. التلفريك هو النقيض، براق، مبتذل وعدواني”.
إنه يرمز إلى نوع متبجح من التحول إلى التركيز على الداخل.
هكذا يصف السيد سافدي المشروع: “إن عدوانيته لا توحي بالقوة، وإنما تقترح انعدام الأمن والضعف”.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Cable Cars Over Jerusalem? Some See ‘Disneyfication’ of Holy City
هامش:
*Disneyfication: التحول (كشيء حقيقي أو غير مستقر) إلى بيئة آمنة مسيطر عليها بعناية؛ ويصف المصطلح في مجال علم الاجتماع، التحويل التجاري لمجتمع بحيث يشبه حدائق ومنتجعات والت ديزني، استناداً إلى العولمة السريعة وأساليب الحياة الاستهلاكية على النمط الغربي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock