آخر الأخبار حياتناحياتنا

تمام النابلسي.. لاجئ يفرغ معاناة الحرب بلوحاته ويتبنى مواهب الأطفال

تغريد السعايدة

عمان– فرضت ظروف الحياة الصعبة نفسها على الشاب اللاجئ السوري تمام النابلسي، وأجبرته على اختبار منعطفات جديدة، لكنه اختار أن يكون الإبداع منفسه وعنوانا لحياة يصر على أن يعيشها بالحب والأمل والجمال.
تمام (26 عاما)، قضى أعواما عدة بمخيم اللجوء، وذاق مرارة الحرب السورية التي طالت بيته ومعرضه الفني الذي كان متنفسه هو ووالده، فذهبت هذه الفنون أدراج الرياح.
غير أن الأمل بأن القادم هو الأفضل، جعل تمام يعود ليستخرج الإبداع من قلبه ومن قلوب أطفال مخيم الزعتري من خلال الورش الفنية التي يقدمها لهم بالمجان مع والده إلى أن أصبح لديه عدد كبير من اللوحات التي يقوم بعرضها لمختلف الفئات العمرية ومن كلا الجنسين في المخيم.
وفي حديثه عن حياته وأحلامه، يقول تمام لـ”الغد” إنه يمتلك هواية الرسم والتصميم التي تعلمها من والده، وكان لديهما معرض يقومان من خلاله بعرض جميع الأعمال الفنية في مدينة درعا، قُبيل الحرب السورية، ولكن نيران الحرب أتت على اللوحات في البيت، فكان المخيم هو المكان الجديد لهما، وخروج تمام من الجامعة كان له كبير الأثر السلبي على حياته وأحلامه.
تمام الذي ينتظر أن يحصل على فرصة لإكمال تعليمه الجامعي، كان قد ترك مقاعد الدراسة خلال السنة الثالثة له، لم توقفه تلك الإحباطات عن متابعة الرسم والفنون، فقام بعمل مجسم للمسجد الأموي الشهير في سورية وتم بيعه في بريطانيا، والآن له أعمال في أحد المعارض الكبرى بلندن.


قرر تمام أن لا يترك الرسم، وقام بتشكيل فريق تطوعي داخل أروقة المخيم يُعنى بالفنون بالتعاون مع منظمة الإغاثة والتنمية الدولية، وتم تنظيم دورات وورشات خاصة بفنون الرسم للأطفال وتصنيع المجسمات الصغيرة.
وما لفت نظر تمام في البداية أن جميع اليافعين المشاركين في الورش الفنية يتوجهون لرسم اللوحات التي تعكس صوراً مؤلمة للحرب، مثل لوحات للمدفعية أو صور قتل ودمار ودم.. وغيرها من المشاهد التي عاشوها في تلك الفترة التي كانوا فيها في سورية إبان الحرب.
هذا الأمر لم يمر مرور الكرام لدى تمام ووالده الذي كان يساعده في تلك الورش الفنية، فحاولا جاهدين الانتقال بالأطفال من حالة اليأس والخوف والرعب إلى الأمل وحب الحياة والجمال في لوحاتهما، ومع الوقت بدت أكثر أملاً بالمستقبل وتعج بالفرح والبراءة.
وعبر مجموعة من الصور الفنية التي تم رسمها وعرضها في معرض بازار اللاجئين الذي أقيم مؤخراً في عمان، بتنظيم من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن، والذي يُقام سنوياً؛ قدم تمام مجموعة من النماذج الحية، أسقطها الأطفال على لوحاتهم في مخيم الزعتري، وبدا عليها الاختلاف واضحا في المواضيع المطروحة.
وبوجود لوحات لأطفال ما يزالون يحتفظون بذكرى مشاهد الحرب في داخلهم، ظهرت مشاعر الفقد والخوف، فيما لوحات أخرى عكست الجانب المضيء من حياتهم والتطلع للمستقبل، كما في لوحة الطفلة التي تتأرجح وتناظر المستقبل المُزهر، ووجوه أخرى احتفظت بتفاصيل المكان واللباس التراثي، وغيرها من المواضيع الحياتية التي انطبعت على اللوحات.
ويبرر تمام التركيز من قبل المشاركين في لوحاتهم على الوجوه وتعابيرها المختلفة بمدى تعلق اللاجئين بأدق تفاصيل الحياة، والوجوه تحمل تفاصيل الأم والأب والجد والحبيب وكل ما يتعلق بالوطن والأحبة، وما يختبئ في القلب والوجدان.


ويسعى تمام، من خلال رعايته للأطفال واليافعين في مجال الفنون، لعرض لوحاتهم وبيعها للراغبين في اقتنائها؛ إذ تتمتع بالحرفية والدقة والألوان الجيدة.
وفي حال تم بيع إحدى اللوحات، فإن الريع يذهب مباشرةً للفنان أو الهاوي الذي قام برسمها، لتكون له فرصة لمساعدة أسرته وتوفير مصدر دخل، عدا عن كون اللوحة “قطعة من الروح وتحكي قصة حياة للاجئين بجروحها”.
أمنيات تمام في هذا الوقت تتوقف على أمل متابعة دراسته الجامعية والخروج من حالة اللاأمل التي يعيشها كجميع لاجئي الأرض التي عُلقت آمالهم وأحلامهم إلى أجلٍ غير مسمى، ولكن يبقى الفن هو اللغة الأبدية التي تُخلد المشاعر والحب والحنين للوطن، ولا تحتاج إلى ترجمة لإيصال الرسالة إلى العالم أجمع.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock