أفكار ومواقف

تمزيق الأطالس القديمة


منذ انهيار النظام الدولي الثنائي القطبية في مطلع التسعينيات، ساد مدخلان يسعى كل منهما لتفسير التحولات الجارية في العالم وبناء السيناريوهات المستقبلية، وأخذ كل منهما يسعى نحو المزيد من الاستقطاب باتجاهه.


المدخل الأول قال إن العالم الجديد يأخذ باتجاه التكتل وبناء الأقاليم الدولية الجديدة، تحت رايات الاقتصاد السياسي الجديد الذي أصبح يحرك الكتل الجغرافية العتيقة، وينفض غبار الايدولوجيات عنها، ويجمع بين المصالح والعواطف معا.


والمدخل الثاني سار باتجاه أن القوة العظمى في العالم، تعمل ضمن مسارات مبرمجة على إعادة تفكيك العالم القديم، أي عالم الحرب الباردة وإعادة رسم الخرائط السياسية وتمزيق الأطالس القديمة، مرة بإيقاع المجتمعات والدول في فخ العولمة ومرة أخرى بالاجتياحات العسكرية المباشرة.


وبحسب “بريجنسكي” في كتابه (رقعة الشطرنج الكبرى: الأولوية الأميركية ومتطلباتها الجيواستراتيجية)، فإن الامبرطوريات عبر التاريخ تحقق تفوقها عبر تدمير المنافسين او من خلال تدمير وتفتيت الكيانات المنافسة. والقراءة الجديدة لخلاصة هندسة التفتيت والتفكيك الدائرة حاليا في مختلف انحاء العالم، وليس الشرق الأوسط الا أحد ساحاتها المكشوفة، تؤكد أن مدخل إعادة التركيب والتكتل قد بات يتراجع، وليس في الوقائع السياسية والاستراتيجية، بل في الأدبيات السياسية، في حين يزداد الحضور الطاغي لمدخل التفكيك، ويظهر ذلك واضحا بمراجعة بسيطة لعدد دول العالم الذي قفز بشكل كبير منذ مطلع التسعينيات الى اليوم، رغم أن الكرة الأرضية لم تتسع ولو شبرا واحدا.


تولد الحساسية الجغرافية اليوم، وتتكون بفعل العوامل الخارجية، رغم كونها تبدو داخلية ومزمنة وتاريخية وتحمل مضامين عرقية وثقافية ولغوية، فالخرائط التاريخية للكيانات شبه الوطنية صيغت وفق معادلات تضامن المصالح التي بنت تراكمات شيدت الحدود وصاغت الهويات وشكلت وجدان الناس بغض النظر عن خطوط الطول والعرض.


وبالعودة الى مفاتيح قراءة التفتيت في هذه الخرائط، نجد أن العوامل المحرضة على إنجاز هذه المهمة تنهل اليوم من وسائل مبتكرة. وعلى حد تعبير محمد حسنين هيكل “إن القوة العظمى تمارس صراعاتها وحروبها بوسائل مبتكرة أهمها أن تكون المعركة عن بعد، وأفضل الطرق لتحقيق الانتصارات في تلك المعارك هو أن يقوم العدو بطعن نفسه أولا، أو أن يعجز بسبب مشاكله الداخلية عن النهوض بمستوى الصراع اللازم لمواجهة دولة بحجم الولايات المتحدة”.


من جهة قريبة، تطرح الجغرافيا السياسية التي تتبلور اليوم أسئلة جديدة، وإن كانت قائمة ولم يتم الالتفات إليها من قبل، ما الذي يجعل حدودا بمساحات شاسعة كالحدود الأميركية – الكندية تنعم بالاستقرار والأمن منذ نشأة الكيانات السياسية التي شكلتها من دون وجود ثقل عسكري فعلي بحجم قوة تلك الدول؟ كذلك ما الذي يجعل كتلة دولية تعيش بعيدا عن الاضطرابات والتحولات القاسية مثل الدول الاسكندنافية، في حين ما الذي يجعل قادة الغرب في وسط أوروبا وشرقها وغربها موطن الديمقراطيات وأعلى مستويات تمثل المجتمع المدني وأعلى مستويات التفكير العقلاني والحياة العلمانية قلقين حيال تحولات الجغرافيا السياسية من حولهم، وعيونهم معلقة بالحدود والخرائط أكثر من خوفهم على أمور أخرى، يبدو ذلك بكل وضوح في بحثهم عن الأمن الجماعي وعن المصالح المشتركة؟


وفق علم الخرائط الجديد، فإن أداة التقسيم والتفتيت تعمل بكل ثقة في جهات العالم المتعددة، بينما الأداة الأخرى هي الإلحاق وليس التوحيد إو إعادة التركيب. فالتقارير والوقائع تشير إلى أن الشرق الأوسط القادم سيحتضن في أقل تقدير ما بين ستة إلى عشرة كيانات جديدة، هي محصلة عملية التقسيم وإعادة رسم الخرائط، في حين سوف تختفي كيانات أخرى وتتلاشى سياسياً عبر أداة الإلحاق خلال عقد ونصف على أكثر تقدير.


الكيانات الهشة تزداد، والعالم يزداد تعقيدا، لكن الكرة الأرضية لم تتسع، بل تزداد حرارة!


[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock