أفكار ومواقف

تمويل ديمومة الاحتلال..!!

يجمع المتابعون للتسريبات عن ما تدعى “صفقة القرن” التي تُعدّها أكثر الإدارات الأميركية ازدراء للفلسطينيين، على أنها لن تقترح إقامة دولة فلسطينية سيادية بمواصفات الدول، ولن تنهي احتلال الأراضي الفلسطينية، ولن تضع القدس الشرقية تحت السيادة الفلسطينية، وستنهي قضية اللاجئين وحق العودة الفلسطيني. وبعبارات أخرى، لن تحقق الصفقة المسربة أياً من الحدود الدنيا للتطلعات الوطنية الفلسطينية.
مع ذلك، وعلى الرغم من اقتراح الكثيرين أن “صفقة القرن” ستولد ميتة، تمضي الإدارة الأميركية في تنفيذ مخططاتها التي ربما تبدأ بالمؤتمر الذي دعت إلى عقده في البحرين الشهر المقبل، فيما يبدو أنه لجمع التمويل “لتحسين أوضاع الفلسطينيين الاقتصادية”. وحسب التسريبات، تريد الولايات المتحدة من الدول العربية الغنية تمويل مخططها لحل ما سُميت “قضايا الوضع النهائي” -على حساب الفلسطينيين.
يلاحظ المراقبون المفارقة المنطقية في بحث المسائل الاقتصادية قبل الاتفاق على القضايا السياسية التي رفض الفلسطينيون، أصحاب الشأن، المقترحات المطروحة بشأنها بوضوح. ويتساءل الصحفي تايلور لوك، مراسل صحيفة “كرستيان سينس مونتيتور” الأميركية في تقرير له: “العربة أمام الحصان”؟ مشيراً إلى هذا الترتيب الغريب للأولويات.
ويلاحظ لوك: “من دون مناقشة القضايا السياسية -وضع القدس؛ والدولة الفلسطينية؛ واللاجئين وتجميد الاستيطان- تكون الولايات المتحدة قد عززت وجهة النظر الشائعة بين الفلسطينيين والعرب بأن خطة السلام هي ‘تطبيع اقتصادي’ مع إسرائيل، والذي يضفي الشرعية على الوضع الراهن في مقابل التنمية الاقتصادية”.
يعني إضفاء الشرعية على الوضع الراهن جعله مستداماً. والوضع الراهن هو أن فلسطين كلها تحت الاحتلال، وأن الفلسطينيين كلهم تحت الاحتلال أو في الشتات. وحتى وجود “السلطة الفلسطينية” التي توحي بنوع واهم من السيادة الفلسطينية في جزء من فلسطين، فُسِّر على أنه خدَم تكريس الاحتلال ورفاهه، بحيث وصِف بأنه احتلال “خمس نجوم”. وإذا كانت خطة ترامب-كوشنر-نتنياهو لتُفرض على المنطقة، فإن الاحتلال سيصبح سبع نجوم أو عشر.
يصف الكاتب والروائي الفلسطيني، سمير الزبن، التخفيف الهائل لأعباء الاحتلال بسبب وجود السلطة، فيكتب: “إذا توقفت أجهزة السلطة الفلسطينية عن الأداء، أي وزارات الحكومة، البلديات، سيضطر الحكم الإسرائيلي إلى القيام بمهامها. وبكلماتٍ أخرى، ستكون هناك حاجة آنذاك إلى تجديد الحكم العسكري والإدارة المدنية، كما كان الوضع قبل تطبيق اتفاقات أوسلو. سيضطر ضباط هيئة الأركان الإسرائيلية إلى تحمّل مسؤولية التعليم، الصحة، البنى التحتية، المياه، الكهرباء، الطرق وبقية الخدمات. وستضطر حكومة إسرائيل إلى الاهتمام بتوفير مصادر عمالة وغذاء لأكثر من أربعة ملايين نسمة هم سكان الضفة وغزة، وستضطر إلى وجود عسكري إسرائيلي في المناطق السكنية الفلسطينية. يُظهر حساب بسيط أن ذلك سيكلف الخزينة الإسرائيلية مليارات الدولارات، ومزيداً من الإدانات الدولية”.
هذه المليارات من الدولارات هي التي تطلب الإدارة الأميركية من العرب دفعها نيابة عن الاحتلال لتغطية كلف الفلسطينيين، من دون أي مقابل للفلسطينيين ومن دون دولة فلسطينية متحررة من سطوة الاحتلال العسكري الصهيوني. ولذلك، يفترض المرء أنه سيكون بوسع الدول العربية أن تقول للأميركان في مؤتمر البحرين ما كانت تقوله دائماً على الأقل: “نحن سندفع للفلسطينيين، وإنما لدولة فلسطينية مستقلة وسيادية في كامل الأراضي التي احتلت في العام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، حسب القرارات الدولية ذات الصلة. وبغير ذلك، فإننا سندفع للاحتلال مكافأة على احتلاله”.
هذا التصور يلامس بالكاد الحد الأدنى للتطلعات الفلسطينية ومعايير العدالة الإنسانية. وكما تلاحظ الكاتبة الفلسطنيية رمانة وادي، فإن “تسوية الدولتين وصفة القرن التي يعدها ترامب كلاهما تطبيع لإسرائيل”. ومن المعروف أن “إسرائيل” هي مشروع استعماري أقيم على حساب الشعب الفلسطيني، سواء كان ذلك في فلسطين 48 أو 67. وفي كل الأحوال، سيكون تطبيعها في أي شكل تطبيع للاحتلال.
مع ذلك، قد يبرر اختلال التوازنات “شراء” جزء من فلسطين لإقامة دولة فلسطينية من كيان الاحتلال مقابل تطبيعه في المنطقة. وقد يقبل البعض ذلك بوصفه حلاً مرحلياً في صراع طويل ستحسمه الأيام. لكن أي حسابات أو توازنات لا تبرر تمويل الاحتلال بتحمل الأعباء التي يجب أن تكون مسؤوليته عندما يتعلق الأمر بسكان المناطق التي يحتلها. وينبغي أن يعرف العرب ذلك، وأن يسموا الأشياء بأسمائها.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock