أفكار ومواقف

تناقضات كبرى: الحراك الطبقي

ليست التناقضات الكبرى في سلوك الحكومات وحدها، بل نلاحظ اليوم عمق التناقض والتشوه في السلوك الاقتصادي للمجتمع الأردني والذي يبدو للبعض غير قابل للتفسير، فطوال عقد مضى على أقل تقدير مارس صناع السياسات العامة تناقضات كبرى في فهمهم للأوليات وفي بناء الشراكات وفي فرض برامج وأطر التكيف الاجتماعي مع الظروف الاقتصادية الصعبة، إن فهم السياق الاجتماعي- الاقتصادي الذي آلت إليه الامور هو الكفيل بتفسير ضعف الاحتراقات الاقتصادية – الاجتماعية في الحالة الأردنية في الوقت الراهن.
علينا ان نراقب جنبا إلى جنب سلوك النخب الحكومية سلوك المجتمع ايضا وحجم ما بات ينطوي عليه من تناقضات كبرى لا يمكن تفسيرها بالقراءة الاولى المرتبطة عادة بخطاب الاقتصاد السياسي، بالنتيجة علينا أن نأخذ الأمر من منظورين هما الفرز الطبقي وهيمنة الثقافة الاستهلاكية. هنا يُطرح سؤال هل شهد المجتمع الأردني حراكا طبقيا ملموسا خلال هذه المرحلة، نعني بالحراك الطبقي أو الاجتماعي انزياح كتل اجتماعية من طبقة إلى اخرى أو التحرك إلى الاسفل او الاعلى داخل الطبقة نفسها، هل حدث هذا الأمر في المجتمع الأردني في العشر سنوات الماضية على اقل تقدير، الاجابة الفورية وهي شعبوية بالتأكيد : (نعم حدث هذا الحراك الاجتماعي على حساب الطبقة الوسطى التي ضمرت في حين تضخمت الطبقة الفقيرة وازدادت الشرائح الاكثر فقرا).
لا توجد دراسات جادة تمنحنا احكاما واضحة على طبيعة الحراك الاجتماعي خلال هذه الفترة، فالكلام حول الطبقة الوسطى في الأردن اغلبه سياسي وحمال أوجه ولا يمكن الركون إليه، ان الكثير من المؤشرات لا تدل على ضمور الطبقة الوسطى خلال هذه السنوات بل بالعكس فإن هذه الطبقة اتسعت قليلا ولكنها شهدت تشوهات عميقة في السلوك الاقتصادي والثقافي والسياسي تشير إلى تناقضات واسعة وصادمة احيانا، إن الطبقة الوسطى مفتوحة في حدود محدودة لكن الحراك الاجتماعي الاكثر وضوحا هو الانزياح من الشريحة الفقيرة إلى الشريحة الأكثر فقرا علينا ان نراقب جيدا ماذا حدث في الأغوار وفي بعض المحافظات.
لقد افتقدت العديد من المؤسسات الوطنية القدرة على القراءة الاجتماعية – السياسية لأحوال المجتمعات المحلية ولطبيعة الحراك الطبقي وآثاره الاجتماعية والسياسية، كما أن الدراسات التي تجرى على اساس المؤشرات الكمية المرتبطة بدخل الفرد وبالطرق التقليدية لا تقدم صورة موضوعية عن طبيعة الحراك الاجتماعي وتحديدا فيما يتعلق بالمهن والانتاجية والدخل، ثمة مشكلة ذات جذور اجتماعية مرتبطة بمؤشرات الانتاجية في المجتمع الأردني لا تأخذ بعين الاعتبار ان المجتمعات ذات التقاليد الفلاحية والبدوية لديها نظرة مختلفة لمفهوم الانتاجية مرتبطة بالعمل الموسمي والانتظار وهو جزء من تقاليد خاصة بالريعية، غير أن المجتمع الأردني غادر هذه التقاليد ولكن جاء مسار التغيير مشوها، ففي الوقت الذي نعاني من ضعف الانتاجية في القطاع العام وتراجع الفعالية والكفاءة في انتاجية الموظفين نجد تنامي ظاهرة ان الفرد يعمل اكثر من وظيفة او مهنة في الوقت نفسه يعد هذا التطور مصدرا آخر للتناقضات في هيكل الحراك الاجتماعي ففي الوقت الذي نجد فيه أن الفرد ينافح من اجل الحفاظ على مكانته الطبقية فإن هذا التطور يترك آثارا سلبية على جودة الانتاجية ويعمم الترهل والرداءة ولا يخدم فكرة بناء قاعدة انتاجية عريضة.
يعمل ضغط الموارد مع انخفاض مستوى كفاءة إدارة المتاح منها على المزيد من تضاؤل هذه الموارد وعلى نمو غير شرعي في التنافس للاستحواذ عليها، وبالنتيجة فإن المتاح أمام الأسر والأفراد من الطبقات العريضة يصبح محدوداً، هنا تلجأ هذه الطبقات إلى الرضا بالرديء من السلع والخدمات، بل وتبحث عنه، وفي هذه الظروف تنتعش قطاعات للرداءة أحياناً تمارس نشاطها بانتهازية مكشوفة، وأحيانا تتواطأ في خلق ثقافة تتستر وتحجب ما يحدث حولها.في خط مواز مع هذه التحولات يزداد الضغط على مكانة المؤسسات وتنتشر انماط من المساءلة الشعبية المشوهة، ان التناقض الكبير اليوم يبدو في الحراك الاجتماعي المشوه وليس في ضمور الطبقات أو اتساعها.

انتخابات 2020
26 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock