أفكار ومواقف

تناقض العقل العملي..!

ينطوي الكثير من مواطني مستعمرات الإمبراطورية مسكونين على إعجاب بـ «العقل الغربي». ويلخص الصحفي الفرنسي، إريك لو بوشر، سمات هذا العقل وفضائله، فيكتب:
«كانت الحكمة، والعدالة، والشجاعة واللياقة، هي الفضائل الأساسية الأربع التي تعرِّف ما أسماه شيشرون «الشرف». وكان بفضل هذه الفضائل أن تمكنت الحضارة الغربية من تحقيق هذه الخطوات التقدمية في الرياضيات، والقانون، والموسيقا، والهندسة المعمارية، ومن تطوير أنظمتها الديمقراطية، كما أشار عالم الاجتماع الألماني ماكس ويبر». ويتساءل بوشر: «ولكن، هل نحن الآن، في العام 2021، بصدد فقدان هذه الفضائل؟ هل نتخلى الآن عن العقل كما فهمه الإغريق؟ هل يجري توجيهنا بطريقة قاتلة نحو ظلام اللاعقلانية، ومعاداة العلم والعاطفة، والخوف، والعنف»؟
التقدم العلمي، والإنتاج الفكري والفني، والبناء الحضري المادي – وحتى الأخلاق اليومية- هي كلها أسباب تدعو المتخلفين في كل هذه المجالات إلى النظر بإجلال وحسد إلى الذين يمتلكون كل ذلك. كما قد يُكّنِ المصدومون من سكان المستعمرات إعجاباً بـ«الآخر» لأنه تمكن من الهيمنة عليهم – وربما
« تمدينهم».
النتيجة النهائية لعمل العقل الغربي هي عالَمان: واحد متقدم، مستأثر بالثروة ووسائل القوة، عمله الأساسي هو التفوق على العالَم الآخر وحرمانه الآخرين من كل ذلك. والمفارقة أن «الخوف»
و «العنف» اللذين يخاف منهما بوشر على الغرب هما أداة العقل الغربي لضمان مصادرة حصة الآخرين والتفوق عليهم وحرمانها من الفرصة والمنافسة، وزراعة العنف والخوف فيهم.
وبما تتيحه القوة من صناعة الخطاب، دمج العقل الغربي «العملي» إخضاع الآخر والاستيلاء عليه وعلى مقدراته في خانة «الشرف». فبعد كل شيء، يشكل التوسع الجغرافي، والهيمنة السياسية والعسكرية، والوصول إلى الموارد أينما كانت، ضرورات للرفاه والسعادة كمساعٍ أخلاقية مشروعة للإنسان الأبيض «المتحضر». وبالتدريج، شكلت قناعة العقل الغربي الإيمانية بفضائله الخاصة، وتبرير عدوانيته كشيء من الصلاح الرسولي، نوعاً من الرّقية السحرية التي جعلت سكان المستعمرات مثل «المضبوع» في قصص الفلاحين، الذي يتبع قاتله إلى باب الوكر وهو يعتقد أنه أبوه.
كان من التعبير الأبلغ عن التناقض الأخلاقي للعقل الغربي هو مفهوم «عبء الرجل الأبيض» الذي برر التوسع الاستعماري الإمبريالي للغرب. وكتب بوق الإمبراطورية، الشاعر الإنجليزي روديارد كيبلينغ، في العام 1899 قصيدة بهذا العنوان بالذات، «عبء الرجل الأبيض»، لتكون تلخيصاً مكثفاً وصالحاً دائماً لرؤية العقل الغربي نفسه و «أخلاقية» مسعاه.
كتب كيبلينغ: «للبحث عن ربح للآخر/ لإدارة مكسَب الآخر/ تحمَّل عبءَ الرجل الأبيض -واجْنِ أجرَه القديم: لومَ أولئكَ الذين تجعلهم أفضل؛ كراهية أولئك الذين تحرسهُم- صرخة أولئك الذين تأخذهم (آه، ببطء) إلى النُّور: «لماذا أخرجتَنا من عبوديتنا، من ليلِنا المصريّ المحبوب»؟
حسب كيبلِنغ، سيذهب خيرة الشباب البيض إلى بلاد الهمجيين، غير البيض بالضرورة، لأداء مهمة عليهم تحمل عبئها لأنهم بيض بالتحديد. وسوف يُضحّون في هذه المهمة غير المُجزية المتمثلة في تمدين شعوب غير واعية بمصلحتها والتي ستقاوم إخراجها من العبودية إلى النور والحرية، وهي أعجز من إدراك حسن نية البيض وعظم تضحيتهم. وبذلك، عُرِّفت الهمجية الغربية المطلقة المتمثلة في الاستعمار والصناعة المتفوقة للعنف والخوف عند الآخر الملوَّن كمهمة تنويرية.
في 2002، شخّص روبرت كوبر، المسؤول الكبير في وزارة الخارجية البريطانية، هذه العقلية في تجليها المعاصر: «التحدي الذي يواجه عالم ما بعد الحداثة هو الاعتياد على فكرة المعايير المزدوجة. فيما بيننا، نعمل على أساس القوانين والأمن التعاوني المفتوح، لكننا عندما نتعامل مع الدول عتيقة الطراز خارج قارة أوروبا ما بعد الحداثة (المتحضرة)، نعود إلى الأساليب الأكثر قسوة من حقبة سابقة -القوة، الهجوم الوقائي، والخداع، وكل ما هو ضروري للتعامل مع أولئك الذين ما يزالون يعيشون في عالم القرن التاسع عشر (المتوحشين) في كل دولة بذاتها. فيما بيننا، نحافظ على القانون. ولكننا عندما نعمل في الغابة (قلب الظلمة)، فإن ما نحتاجه عندئذ هو استخدام قوانين الغاب… ما نحتاجه عندئذ هو نوع جديد من الإمبريالية، واحد يكون مقبولاً لعالَم حقوق الإنسان والقيم العالمية، والذي نستطيع أن نحدد مخططه مسبقاً: إمبريالية تهدف، مثل كل الإمبريالية، إلى جلب النظام والتنظيم، لكنها تقوم اليوم على أساس الطوعية».
بذلك، قد يكونُ حل التناقض الأخلاقي بين التفوق والعنف مفتاحاً لعمليّة العقل في ملاحقة السعادة والرفاه، كمساعٍ أخلاقية في ذاتها.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock