أفكار ومواقف

تنمُّر الحكومة على الإعلام

تعيشُ الحكومةُ في برجٍ عاجيّ؛ هِيَ تعتقدُ أنّ حجمَ إنجازاتِها يُوجِبُ ضرورةَ أنْ يصفّقَ لها الرأيُ العامُ والإعلامُ، لذلكَ يضيقُ صدرُها بالنقدِ، وتُظهِرُ فهمًا مرعبًا ومغلوطا لدور الإعلام. يحدّثُك وزراءٌ؛ “لماذا لا تكون تغطية الغد مثل صحيفةٍ أخرى؟”، في إساءةٍ بالغةٍ للصحيفتين الوطنيتين ودورهما المهني كسلطة رابعة! يحدثك آخر ملأ الفضاءَ بتصريحاتٍ مغلوطةٍ وقراراتٍ سيئةٍ بأنّ الصحافةَ تستهدفه، وأنّ إنجازاته لا يتم تقديرُها. ثم يطلُ ثالثٌ يشكّك بخبر موثّق من كوادر وزارته، وبدل أن يوضّح موقفَه يصبحُ مسكونًا بكيفية معاقبة من تحدث من وزارته مع الإعلام.
هذا النوع من التفكير يدلّل بوضوح ٍعلى حجم الضعف السياسي والإعلامي لدى الحكومة وبعض شخوصها، فملاحظاتهم تفتقر للحد الأدنى من الحس السياسي والإعلامي ولا نتوقعها من شخصيات مسؤولة من المفترض أن تدركَ ماهيةَ العمل الصحفي ودورَ الإعلام الرقابي على السلطة التنفيذية.
على الحكومةِ أنْ تمارسَ نقدًا وتقييمًا ذاتيًا لأدائها، فإن فعلت ذلك بموضوعية ستخلص هي ذاتها إلى أن حجم منجزها الاقتصادي يقترب من الصفر، أما أداؤها السياسي والإعلامي وغيرُه من الملفات فحدِّث ولا حَرجَ. حكومةٌ تبيعُ الوهْمَ للناس وتقول لهم خفّضنا النفقاتِ ليتبينَ أنه ترحيل للحكومات القادمة وليس تخفيضا، وتعِدُ بإعادة خدمة العلم ليتبينَ أن ما وعدتْ به هو برنامج تدريب مهني متواضع وغير إلزامي. حكومة تدّعي أنها جلبت عوني مطيع، وتلمّحُ إلى أنها ستجلبُ وليدَ الكردي وهي من هذه الإنجازات براء. حكومة تقول للناس إنها خفّضتْ ضريبةَ المبيعاتِ على واحدٍ وستينَ سلعةً، ليعلّقَ مصدرٌ مطلعٌ على ذلك بالقول إنّ هذه السلع يتم استيرادها بكميات قليلة وبالتالي تأثيرها على جيب المواطن محدودٌ جدا.
نصيحتُنا للحكومة أن تركزَّ على تحسين الأداءِ بدلَ التشكيك والاتهامية، ففي ذلك غيابٌ للشفافية التي تدّعيها. لا ضيرَ أن يخضعَ الوزراءُ لتدريبٍ إعلامي، فنوعُ الأداء الإعلامي الذي يمارسونَهُ يستوجبُ ذلكَ.
ما تزالُ الحكومةُ تصرُّ على بعثِ رسائلَ بأنها حكومةُ تسيير أعمالٍ لا تمتلك أهدافا تحاول تحقيقها. محطاتُ الحكومةِ القادمةُ المهمةُ التي يجب أن تتجهزَ لها جيدا للاستفادة منها تتمثلُ في مؤتمر لندن، ومراجعة صندوق النقد الذي خفض مستوى بعثته المقررة إلى المملكة لتصبح فنية فقط، بالإضافة إلى قانون الجرائم الإلكترونية.
على الحكومة أن تلتفتَ إلى أوجاعِ الناس التفاتةً حقيقيةً، فعملياتُ التجميلِ التي تقوم بها لمْ تعدْ تجدِ نفعًا، وصوتُها الخافتُ لا يصل إلى قلوب المواطنين ولا إلى مسامِعِهِم، وإذا ما استمرّ هذا المستوى من الأداء فإنها ستنحدرُ لتكونَ أضعفَ حكومةٍ على الإطلاق.
يجب أن يدركَ كلُّ وزيرٍ في حكومة الدكتور عمر الرزاز أن الإعلام ليس أداة في يد أي منهم، وأن الهدف الأسمى لأي مؤسسة صحفية هو فقط أمن واستقرار ونمو ونهضة الوطن والمواطن. أما الشخوص فلا مكان لهم، إلا لمن يعملُ وينجزُ ويحققُ فائدةً للمجتمع.
لا يضيرُ أيَّ صحيفة أو مؤسسة إعلامية الحديثُ عن إنجازاتِ أيِّ حكومة والتغني والإشادة بها والرقص على نوتاتها الطربية، فهذا حق لكل من يجتهد ويعمل بتفان وإخلاص، فمهمة السلطةِ الرابعةِ لا تقتصر فقط على النقد الذي يُشترطُ فيه المهنية وتشخيصُ الوجع وتقديم توصيات ووصفات لعلاجه، ما دمنا نتحدث عن شراكة فعلية بين الحكومات والإعلام.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock