صحافة عبرية

تهديد العقوبات نجح رغم وقف النار جزئيا

إسرائيل هيوم
البروفيسور ابراهام بن تسفي 20/10/2019

قبل 29 سنة، في 25 تموز 1990، عقد في بغداد لقاء محمل بالمصائر بين السفيرة الاميركية ايبرل غيلسبي وبين حاكم العراق صدام حسين. وكان هدف صدام الاساس في هذا اللقاء هو تشخيص ما هي هوامش المناورة، اذا كانت كهذه، التي ستمنحها له ادارة الرئيس بوش الاب، اذا ما قرر غزو الكويت المؤيدة للغرب. ولهذا الغرض ادخل في حديثه تلميحات مكشوفة عن نواياه للعمل، الا اذا استجيبت طلباته الاقتصادية والاقليمية من الجارة الكويتية. ولمفاجأته، امتنعت غيلسبي عن اتخاذ موقف في النزاع، الذي وصفته بالمواجهة العربية الداخلية، التي لا ترتبط على الاطلاق بالولايات المتحدة وباستراتيجيتها الاقليمية. وهكذا اشارت له الى أن مسار احتلال الكويت مفتوح على مصراعيه من ناحيتها. وبالفعل، على خلفية الضوء الاخضر الذي كان صدام مقتنعا بانه حصل عليه، ليس مفاجئا انه بعد مرور اسبوع، في 2 آب 1990، بدأت قواته في غزوها للكويت. وحقيقة أن الضوء الاخضر استبدل في نهاية الامر بضوء احمر فاقع، نتائجه على العراق كانت هدامة، تشدد فقط كم كان هذا حيويا بالنسبة للقوة العظمى الاميركية ان توضح في الزمن الحقيقي ما هي الخطوط الحمراء، التي سترد على اجتيازها بكل الوسائل.
المعزوفة تعود من جديد
اليوم، مع مرور ثلاثة عقود تقريبا، تعود المعزوفة من جديد، وهذه المرة بالصلة بقرار الرئيس ترامب سحب القوة الاميركية الصغيرة المرابطة في شمالي سورية. ومثلما في حديث غيلسبي مع صدام، هكذا ايضا في مكالمة ترامب مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، والتي جرت في 6 تشرين الاول 2019، امتنع البيت الابيض عن استخدام أي روافع ضغط على انقرة، لردعها عن استغلال الوضع الجديد في الساحة ومنحها عمليا ضوء اخضر في أن تطلع ترامب الى ان يقلص الى الحد الادنى الدور الاميركي العسكري في ساحات ذات اهمية ثانوية او هامشية بالنسبة له (بما فيها سورية وافغانستان) كان وما يزال مدماكا مركزيا (وتحققه في منطقة الشمال السوري تعد بالتالي في نظره كتنفيذ لوعد قطعه للناخب)، أخطأ في تقدير الرد في الداخل (وفي الخارج) على الخطوة.
وبالفعل، فان الانتقاد اللاذع الذي اطلق على تلة الكابيتول (والذي شارك فيه غير قليل من زملائه الجمهوريين في المجلسين (على خلفية هجرانه الشريك الكردي في الصراع ضد داعش، فاجأ واحبط الهيمنة الامريكية وكشف عن الضعف في عملية اتخاذ القرار على مستوى القائد، مثلما ايضا في عمل القيادة التي حوله. هكذا حصل بأنه رغم صحوته السريعة، وفي غضون ثلاثة ايام فقط، في 9 تشرين الاول، اضاف الى قرار الانسحاب من سورية رزمة عقوبات اقتصادية وتهديدات فظة تجاه انقرة، حقيقة ان الرسالة الحازمة التي نقلها ترامب الى اردوغان صاغها هو بشكل غير دبلوماسي على نحو ظاهر، جعلت الاسلوب نفسه موضع الحديث الداخلي والدولي. وذلك على حساب الجوهر وفي ظل تجاهل ان سوط العقوبات فعل فعله وسرعان ما شق الطريق لبلورة اتفاق وقف النار واستقرار الجبهة – وان كان مؤقتا وجزئيا – حتى قبل ان يتحقق سيناريو الرعب بالتطهير العرقي للاقليم الكردي المنهار.
فضلا عن ذلك، فان حقيقة ان قرار الانسحاب خلق احتجاجا واسعا بين الجمهور وفي الكونغرس، انتقل ايضا الى داخل صفوف حزبه رفعت الى جدول الاعمال مسألة قدرة الرئيس الـ 45 على قيادة معسكر جمهوري متراص الصفوف تمهيدا للانتخابات للبيت الابيض في مواجهة التحديات من الداخل (بما فيها مبادرة العزل، التي تواصل التدحرج ببطء في مجلس النواب). ولكن على هذا الصعيد يبدو أن التهديد على مكانة ترامب كزعيم لا جدال فيه للحركة الجمهورية ليس طفيفا. وهذا لا يتعلق فقط بان قراره في أن “الشعب الناخب” سيركز على تقدير دوره وانجازاته في المجال الداخلي وليس الخارجي بل ان المنتخب الديمقراطي الحالي لا يتخذ صورة من يعرض مكانته للخطر على الاطلاق. العكس هو الصحيح. فالمرشحون الثلاثة الكبار في السباق (اليزابيت وورن، جو بايدن وبيرني ساندرز) يبثون هزال المادة اكثر من أي شيء آخر. وليس هذا فقط، بل ان من يتصدر الان المجال الديمقراطي، السناتورة وورن، تبدو ضعيفة على خلفية مواقفها الاجتماعية – الديمقراطية الواضحة التي تقربها من النموذج الاسكندنافي لدولة الرفاه. وفي نفس الوقت تبعدها سنوات ضوء عن الفكرة الاميركية التي تقوم على الفردية والمبادرة الحرة دون قيود حكومية عميقة.
وبالتالي، فان السؤال الذي يطرح نفسه هل سيستغل المكتب البيضوي هذه النافذة الواسعة من الفرصة التي وقعت له في ضوء ضعف الخصم الديمقراطي أم ربما سيراوح في المستنقع المحلي في ظل اظهار التوتر المتصاعد؟ سؤال آخر هو هل فك الارتباط الاميركي عن ميدان القتال السوري سيخلق ردود فعل متسلسلة تفترض من الشركاء والحلفاء (وليس فقط الخصوم) استخلاص الدروس واعادة الانتشار في ضوء تصميم الادارة على الانطواء كثر فأكثر في داخل القارة الاميركية؟ ان الاسابيع والاشهر القادمة ستشير الى اين تهب الريح في اوساط اللاعبين الاقليميين والدوليين معا ولاين تتجه دوامة المعركة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock