ترجمات

تهديد “داعش” في سورية بعد عامين من القضاء على خلافته

عيدو ليفي* – (معهد واشنطن) 13/3/2021

في 28 آذار (مارس)، أرسلت “قوات سورية الديمقراطية”، المدعومة من الولايات المتحدة والتي يتزعمها الأكراد، 5.000 مقاتل إلى مخيم “الهول” للاجئين لاعتقال أكثر من ثلاثين شخصاً يُشتبه في ارتباطهم بتنظيم “داعش”. واكتسب مخيم “الهول” الذي يضمّ 61.000 شخص، معظمهم من النساء والأطفال، وكذلك جماعات كبيرة من أنصار “داعش”، سمعة سيئة لأول مرة بسبب إيوائه الآلاف من الأجانب والعائلات التي بقيت مع “خلافة” التنظيم إلى حين القضاء عليها في الباغوز قبل عامين. وبمناسبة ذكرى تحرير الباغوز في 23 آذار (مارس)، غرّد القائد العام لقوات سورية الديمقراطية، مظلوم عبدي، على موقع “تويتر” قائلاً: “الحرب لم تنتهِ، وجهود إعادة الإعمار ضرورية لمنع عودة تنظيم ‘داعش’”. وتبدو تغريدته مصيبة بالنظر إلى تدهور الوضع في مخيم “الهول”، ما يتطابق مع التحذير الذي أطلقه عبدي في شباط (فبراير) من أن الجماعة الجهادية “تحاول إعادة إحياء نفسها” في سورية.
دور “داعش” في شرق سورية
ينشط “داعش” في الغالب في منطقة صحراء البادية الشاسعة الممتدة في وسط وشرق سورية، وشنّ حملة تمرّد ضد قوات سورية الديمقراطية والقوات الموالية لبشار الأسد. وما يزال حوالي 900 من أفراد القوات الخاصة الأميركية متواجدين في سورية لدعم قوات سورية الديمقراطية، بينما نفذت روسيا حملة جوية مكثفة لدعم الأسد ضد “داعش” ومختلف الجماعات المتمردة. وأرسلت إيران ميليشيات وكيلة، مثل “لواء الفاطميون” وكتائب “حزب الله النجباء” لمساعدة النظام. وفي شمال سورية، تقوم تركيا بعمليات توغل دورية في الأراضي التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية. وعلى الرغم من أن موقفها العدائي قد أجج التوترات مع الولايات المتحدة، إلا أنه يعيق أيضاً التجنيد الذي يقوم به “داعش” من خلال تحسين مراقبة الحدود.
ومع ذلك، صمد “داعش” في سورية، وهو دليل على قدرته على حماية نفسه في جبال وكهوف البادية والتهرب من قوة النيران المتفوقة. وتاريخياً، قام العديد من أفضل المقاتلين الأجانب التابعين للتنظيم بعملياتهم في سورية، كما شارك أفراد من شمال أفريقيا وجمهوريات ما بعد الاتحاد السوفياتي في معارك كبرى ضد النظام السوري وقوات سورية الديمقراطية في منبج وحلب ودير الزور وتدمر وكوباني والباغوز. ومنذ ذلك الحين، اكتسب هؤلاء المحاربون الأجانب المتمرسون ونظرائهم المحليون عامَيْن آخريْن من الخبرة القيمة كمتمردين.
يشير واقع حدوث المزيد من هجمات “داعش” في العراق وغرب ووسط إفريقيا إلى أن التركيز الرئيسي للتنظيم ينصب حالياً على المناطق الأخرى، لكنه حافظ على اهتمامه بسورية، وهذا التهديد آخذ في الازدياد. وفي أعقاب عملية ناجحة قام بها التنظيم في الصيف الماضي لإخراج سجنائه من السجن في جلال آباد، أفغانستان، حثت النشرة الإخبارية الرسمية التابعة للتنظيم، “النبأ”، الصادرة في 6 آب (أغسطس)، “الولايات” الأخرى على أن تحذو حذوَ منفذي تلك العملية. وهنا تشكّل سورية هدفاً رئيسياً بسبب التركيز الكبير لمؤيدي “داعش” في كل من مخيم الهول وسجن الحسكة المركزي (الذي يضم 5.000 سجين).
مؤشرات على التهديد المتصاعد
تشير ثلاثة عوامل إلى تنامي خطر عودة “داعش” في سورية:

  • قدرة واضحة على شن الهجمات. لم يتغير عدد الهجمات التي يتبناها “داعش” في سورية بشكل كبير خلال الأشهر العديدة الماضية؛ فمنذ بداية هذا العام وحتى 17 آذار (مارس) وقعت 106 هجمات، مقارنة بـ101 هجمات في الربع الأخير من العام 2020. غير أن الأرقام بحدّ ذاتها قد تكون مضلّلة لأن قدرة التنظيم على شن هجمات ما تزال كبيرة، ما يرغم الوحدات العسكرية التابعة للنظام وحلفائه على البقاء في حالة تأهب عن طريق الإيقاع الكثير من الضحايا والخسائر.
    في 30 كانون الأول (ديسمبر)، هاجم “داعش” قافلة حافلات في محافظة دير الزور تقل قوات موالية للنظام، ووفقاً لتقديرات وزارة الدفاع الأميركية، أدى ذلك الهجوم إلى مقتل 39 شخصاً. وفي 2 شباط (فبراير) هاجم التنظيم مواقع عدة تابعة للنظام، ما أدى إلى مقتل 19 جندياً وعنصراً من الميليشيات. ورداً على ذلك، شنت روسيا قصفاً مكثفاً إضافياً على مواقع التنظيم في البادية، شملت 100 غارة جوية في 4-5 شباط (فبراير)، إلا أن ذلك لم يؤد إلى زعزعة التنظيم؛ فبعد ثلاثة أيام من ذلك التاريخ، نجح في قتل 26 مقاتلاً من ميليشيا “لواء القدس” الموالية للنظام خلال عمليات في دير الزور. ووفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، شن “داعش” سلسلة أخرى من الهجمات الفتاكة في الفترة ما بين 19 و20 شباط (فبراير). وهذه المرة، فُقد 15 جندياً (من المحتمل أن يكون قد تم أسرهم أو إعدامهم) بعد أن قام التنظيم بإضرام النار في حافلة عسكرية، وقتل خمسة عشر من رجال الميليشيا في عمليات منفصلة.
  • خصوم محبطون. كان شبح سلسلة هجمات “داعش” يخيف قوات الأمن في الأراضي التابعة لكل من النظام وقوات سورية الديمقراطية، حتى أن هذه القوات تخلت عن مدن معينة في منتصف الليل خوفاً من عدم قدرتها على حمايتها -ما أدى بشكل أساسي إلى التنازل عنها لصالح السيطرة الجزئية على الأقل لتنظيم “داعش”. ويدل ذلك على عدم استعداد أي من الطرفين (من قوات الأمن التابعة للنظام وقوات سورية الديمقراطية على حد سواء)، لتكبد خسائر كبيرة من أجل الاحتفاظ بالمناطق التي ينشط فيها تنظيم “داعش”. وفي المقابل، ما يزال مقاتلو التنظيم في سورية وأنصارهم في مراكز الاحتجاز ملتزمين إلى حدّ كبير بقضيتهم، ما يجعل الوضع محفوفاً بالمخاطر.
  • زيادة السيطرة على السكان المحليين. عند التسلل إلى مناطق النظام وتلك التابعة لقوات سورية الديمقراطية، يستخدم “داعش” أساليب مختلفة لزيادة نفوذه على أكبر عدد ممكن من السكان. وفي المناطق الريفية في البادية، غالباً ما يفرض حوكمة شبيهة بتلك التي تقوم بها المافيا من خلال ابتزازه للشركات، ورعاة الماشية، وغير ذلك من العمليات ضد السكان المحليين. أما أولئك الذين لا يمتثلون لمطالب التنظيم، فيواجهون الموت أو الاختطاف أو مصادرة ممتلكاتهم، ولم يفعل النظام الكثير لمنع هذه الانتهاكات، وكذلك هو الأمر بالنسبة لقوات سورية الديمقراطية. وبالكاد تحافظ قوات الأسد على سيطرتها في بعض المناطق (السخنة، السلمية)، في حين تَقلّص نفوذ قوات سورية الديمقراطية بسبب هجمات “داعش” على “المتعاونين” المحليين. ومن بين العديد من زعماء القبائل والمجتمعات الذين استُهدفوا بسبب تعاونهم مع قوات سورية الديمقراطية، قُتل أحد شيوخ قبيلة العُقيدات في كانون الثاني (يناير). وفي 13 آذار (مارس)، نشر “داعش” قائمة بأسماء سكان بلدة جديد عكيدات في دير الزور، مهددين بقتلهم وتدمير منازلهم إذا لم “يتوبوا”.
    وتشكّل تكتيكات “داعش” مبعث قلق على نحو خاص في مخيم “الهول” وسجن الحسكة. وقد أصبحت عمليات قطع الرؤوس والإعدامات الفورية بمسدسات كاتمة للصوت وعمليات قتل أخرى شائعة بشكل متزايد في الهول، (41 جريمة قتل هذا العام وحده، مقارنة بثلاث وثلاثين حادثة موثقة في العام 2020 كله). كما تتزايد الاتصالات مع الخارج -فقد أصبح من السهل لسكان المخيّم الحصول على أسلحة والتواصل مع المهربين لإدخال الناس إلى المخيم وإخراجهم منه، كما يمكن لبعض السجناء في الحسكة الحصول بسهولة على هواتف محمولة.
    كيف يمكن للولايات المتحدة تخفيف التهديد؟
    كان “داعش” يُرسي أسس عودته الكاملة من خلال إضعاف النظام ووحدات قوات سورية الديمقراطية، وممارسة نفوذ أكبر في أراضيهم، وتحسين وضعه في “الهول” وسجن الحسكة. ووسط صمود نظام الأسد، وقلق قوات سورية الديمقراطية بشأن العدوان التركي أكثر من قلقها من التصعيد الذي تشكله هجمات تنظيم “داعش”، على الولايات المتحدة إيلاء اهتمام أكبر لهذه القضية قبل أن تتفاقم وتتحول إلى وضع أكثر خطورة.
    وكبداية، يتعين على الولايات المتحدة طمأنة قوات سورية الديمقراطية -شريكتها الوحيدة في سورية- من خلال تبديد مخاوفها من أجل تخصيص المزيد من القوى البشرية لمحاربة تنظيم “داعش”. ومن شأن نقل القوات الأميركية إلى المناطق الشمالية التابعة لقوات سورية الديمقراطية أن يساعد على ردع الغارات التركية الكبرى، ما يزيد من طمأنة القادة المحليين. وفي الوقت نفسه، يمكن للمسؤولين الأميركيين محاولة بناء الثقة بين أنقرة وقوات سورية الديمقراطية من خلال التوسط في النزاعات بينهما ووضع آليات لتحسين الشفافية. وكما ذكرنا سابقاً، شارك 5.000 عنصر في مداهمة مخيم “الهول” في 28 آذار (مارس)، لكن الحفاظ على هذا العدد والتحرك العملياتي الاستباقي على المدى الطويل سيتطلب ضمانات أميركية بشأن المخاوف الرئيسية الأخرى لقوات سورية الديمقراطية.
    وعلى وجه الخصوص، تحتاج قوات سورية الديمقراطية إلى دعم جوي واستخباراتي كبير إذا كانت ستدعم عمليات فعالة لمكافحة “داعش” وتحقيق ما يشبه الأمن في أراضيها -وكل ذلك يتطلب وجوداً أميركياً مستمراً على الأرض. وهناك حاجة أيضاً إلى الدعم المالي لتحسين الأوضاع في “الهول” وإدارة قضايا السجناء في الحسكة. ولا تستطيع قوات سورية الديمقراطية إدارة هذه المهام بمفردها في الوقت الذي تقوم فيه بالتركيز بشكل كافٍ على قضايا الأمن. إضافة إلى ذلك، على القوات الأميركية الاستمرار في مساعدة قوات سورية الديمقراطية من أجل إنشاء مجالس مدنية محلية وتوطيد العلاقات مع المجتمعات المهددة بالابتزاز من قبل “داعش”. وبالنظر إلى الوضع المتزعزع للنظام ولقوات سورية الديمقراطية على حد سواء، فإن خفض عدد القوات الأميركية الآن سيكون بمثابة تنازل عن محافظة دير الزور لصالح “داعش”.

*زميل مشارك في معهد واشنطن ومتخصص في العمليات العسكرية ومكافحة الإرهاب، لا سيما فيما يتعلق بالجماعات الجهادية

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock