ترجمات

تهديد طالبان لتركيا والتورط في “مقبرة الإمبراطوريات”

تقرير خاص – (أحوال تركية) 8/7/2021

أنقرة – هل يردع تهديد حركة طالبان المبطّن لتركيا الرئيس التركي عن إرسال قوّاته إلى أفغانستان لحماية مطار العاصمة كابول، أم أنّ هذا التهديد سيقع على آذان صماء؟ على ماذا يراهن الرئيس في قبوله المهمّة والحلول محلّ قوات حلف الناتو والولايات المتّحدة في أفغانستان؟ إلى أيّ حدّ سيكون ذلك مكلفاً بالنسبة تركيا؟
في هذا السياق، شدّد الكاتب التركي باريش دوستر في مقال له في صحيفة “جمهورييت” نُشر أخيراً على أنّه تمت منذ أيام مناقشة اقتراح بقيام تركيا بحماية المطار الدولي في العاصم الأفغانية، كابول، بعد انسحاب الولايات المتحدة وقوات الناتو من البلد. وعلى الرغم من أنّه تمّت مناقشة مدى الإزعاج الذي تسببه هذه القضية لتركيا وشعبها، إلا أن البيان الأخير الذي أصدرته طالبان وقالت فيه “نحن نعتبر أولئك الذين يتركهم المنسحبون وراءهم غزاة” زاد من حدة المخاوف لأن طالبان تشير ضمنا إلى تركيا، على الرغم من أنها لم تذكر أحدا بالاسم. ومن ناحية أخرى، تواصل تركيا الإصرار على لعب دور في أفغانستان من أجل تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة.
وأشار الكاتب في المقال المذكور إلى أن أفغانستان تُعرف بأنها “مقبرة الإمبراطوريات”، و”أرض الحروب”، و”أرض الاحتلالات”. وقد شهد البلد في الماضي الاحتلال البريطاني والاحتلال السوفياتي خلال الفترة الأخيرة من الحرب الباردة. وكان تحت احتلال الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي منذ العام 2001. ولم يحصل أي من هؤلاء الغزاة على ما توقعوه هناك. لكن كل احتلال جعل أفغانستان أكثر إرهاقًا وإنهاكاً وفقرًا، مما يجعل البلد أكثر عرضة للتدخلات الأجنبية.
وأكّد باريش دوستر أيضاً على أنّه لا ينبغي التقليل من شأن حركة طالبان التي تأسست في قندهار في العام 1994، واكتسبت قوة في ظل ظروف الحرب الأهلية وسرعان ما استولت على كابول في العام 1996. فلدى الحركة قاعدة اجتماعية كبيرة، معظمها من البشتون. وما تزال محادثات السلام بين الولايات المتحدة وطالبان، التي بدأت في العاصمة القطرية، الدوحة، في العام 2019 مستمرة. وتتمتع طالبان بنفوذ سياسي. ومن المعروف أنها مرتبطة بتجارة الأسلحة وتجار المخدرات. والموارد المالية والبشرية والأسلحة التي تتمتع بها متنوعة للغاية ولديها شبكة علاقات معقدة. ومع انسحاب جميع القوات الأجنبية من أفغانستان بحلول 11 أيلول (سبتمبر) 2021، تستعد الحركة للسيطرة على البلد بأكمله. كما أن تعدد التنوع العرقي، وضعف الوعي القومي، وقوة الروابط والعلاقات الإقطاعية، كلها عوامل تقوي من نفوذ طالبان. وفي ظل هذه الظروف، من المستحيل ضمان أمن مطار كابول من دون ضمان أمن العاصمة كابول ككل.
وتساءل دوستر في مقاله: وإذن، من سيقوم بهذا؟ هل تطمح تركيا إلى الاضطلاع بهذه المهمة أيضا؟ ويجيب بأن أهمية أفغانستان بالنسبة للولايات المتحدة واضحة، لكنها لا تريد البقاء في ذلك البلد لفترة أطول. وتبحث الولايات المتحدة عن قوة تبقى في أفغانستان وتعمل باسمها ولحسابها، وهي تنظر إلى تركيا من هذا المنظور. ومن أجل الحصول على ما يريد، يزيد الرئيس الأميركي، جو بايدن، من الضغط على تركيا من خلال الحفاظ على موقفه المنعزل، وحتى البارد، تجاه البلد. وهو يعتقد أنه سيحصل على نتائج بهذه الطريقة. وكثيرا ما يُكتب في الصحافة الأميركية أنه إذا لم تتراجع تركيا في القضايا الإشكالية مع الولايات المتحدة، فإنها ستواجه عقوبات أشد. وهذا تكتيك معروف لدفع المحاور إلى الخلف في السياسة الخارجية، ومن المعروف أنه ينجح.
وأكّد الكاتب أنّ تركيا؛ عندما ابتعدت عن سياستها الخارجية التقليدية وعطلت معرفتها وخبرتها وذاكرتها المؤسسية في السياسة الخارجية، أصبحت منبوذة في منطقتها وفي العالم. وقد تضاءلت مصداقيتها، ولم تكن خطابات السياسة الخارجية التي قيلت داخليًا فعالة في الخارج. وعلى العكس من ذلك، فقد تآكلت المصداقية والردع والسمعة والهيبة كلها معاً. وعلاوة على ذلك، لم يتم استخدام الكلمات القاسية والأسلوب المستخدم في الأماكن العامة خلف الأبواب المغلقة في الاجتماعات الثنائية على أي حال.
وختم دوستر مقاله باستنتاج إنّه على العكس من ذلك، تم اعتماد أسلوب الخنوع والتوسل في هذه الاجتماعات. وكان هذا هو واقع الحال دائمًا في العلاقات مع الولايات المتحدة. وقد شوهد هذا النمط مرة أخرى في قمة الناتو الأخيرة. وإذن، ما الذي يجب عمله في ظل هذه الظروف؟ إنه ليس البقاء في أفغانستان من أجل الولايات المتحدة.
من المقرر أن تجري الولايات المتحدة وتركيا مزيدًا من المحادثات حول خطة يقوم وفقها الجيش التركي بتشغيل وحماية مطار كابول الرئيسي بعد انسحاب الناتو من أفغانستان. وقال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار أنه سيناقش القضية مع وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، عندما يلتقيه.
وتسعى تركيا للحصول على دعم مالي وسياسي ولوجستي من حلفائها في الناتو لإدارة الأمن في مطار حامد كرزاي، وهو متطلب أساسي لاستمرار عمليات البعثات الدبلوماسية في أفغانستان بعد الانسحاب.
وقال أكار للصحفيين في تصريحات تلفزيونية: “نحن على اتصال مع دول مختلفة بشأن اتخاذ بعض القرارات السياسية أمام الأمم المتحدة والناتو، والتوصل إلى اتفاق مع الحكومة الأفغانية، ومن ناحية أخرى، بشأن تأمين الدعم السياسي والمالي واللوجستي”. وأضاف وهو يتحدث في أنقرة مؤخراً: “في غضون ذلك، تستمر اجتماعاتنا مع الأميركيين. لم يتم اتخاذ قرار نهائي بعد، لكن المناقشات مستمرة”. وقال أكار أنه يجب تشغيل المطار لضمان عدم عزل الحكومة الأفغانية عن العالم بعد انسحاب الناتو.
لدى تركيا مسبقاً أكثر من 500 جندي في أفغانستان، والذين لعبوا دورًا مهمًا في تأمين المطار. وتقول أنقرة أنها لا تعتزم إرسال قوات إضافية. ويقول محللون أن عرض تركيا قد يساعدها في إصلاح العلاقات مع الولايات المتحدة. ويوجد خلاف بين البلدين بشأن قضايا من بينها شراء تركيا صواريخ الدفاع الجوي (إس-400) من روسيا ودعم الولايات المتحدة للمسلحين الأكراد في سورية.
وذكرت هيئة الإذاعة البريطانية ووسائل إعلام دولية أخرى أن الجيش الأميركي غادر قاعدة باغرام الجوية -قاعدته الرئيسية في أفغانستان- في الساعات الأولى من صباح الجمعة من دون إخطار الأفغان. ويفترض أن يُستكمل الانسحاب الأميركي كله فعليًا قبل الموعد الرسمي النهائي المقرر في 11 أيلول (سبتمبر)، الذي أعلنه الرئيس جو بايدن في وقت سابق من هذا العام. وأفادت وكالة “أسوشيتد برس” أن الجنود الأميركيين تركوا وراءهم آلاف المركبات المدنية من دون مفاتيح، بالإضافة إلى مئات المركبات المدرعة.
وكانت الولايات المتحدة قد غزت أفغانستان في العام 2001، وأطاحت بحركة طالبان وسيطرت على القاعدة الجوية التي كان الاتحاد السوفياتي قد بناها هناك في الخمسينيات من القرن الماضي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock