أفكار ومواقف

توتُّرات.. توتُّرات..!

لعل كلمة “توترات” هي الأكثر تكراراً في معجم أخبار الشرق الأوسط. وغالباً ما يكون المفتاح “التوترات تتصاعد في…” –ولا تهدأ- وأضف ما تريد من الأمكنة العربية بلا استثناء ولعقود. وما عليك سوى أن تستشير محركات البحث باستخدام كلمات tensions (توترات)؛ أو conflict (صراع)؛ أو war (حرب)؛ وmiddle east (الشرق الأوسط) وسوف تغرق في فيضان النتائج.
إحدى نتائج البحث تعرض قائمة بالحروب والأزمات التي شهدتها منطقتنا منذ العام 1948، (لاحظ التاريخ الذي حدّده معدّو القائمة كبداية لحقبة الأزمات الحديثة في المنطقة). والقائمة طويلة بشكل مدهش، حتى لنا نحن، أبناء المنطقة، الذين شغلنا تدافع الكوارث إن إجراء جرد. وسأعرض فيما يلي جزءاً منها:
الحرب العربية-الإسرائيلية (1948-49)؛ حرب السويس (1956)؛ الحرب الأهلية اللبنانية (1958)؛ ثورة الموصل العراقية (1959)؛ الانقلاب العنيف لحزب البعث في سورية (1963)؛ حرب اليمن الشمالي (1966-70)؛ ثورة ظفار العُمانية (الستينيات والسبعينيات)؛ حرب الأيام الستة (1967)؛ حرب الاستنزاف (1968-1970)؛ حرب رمضان (1973)؛ الحرب الكردية العراقية (1973)؛ الحرب الأهلية اللبنانية (1975-90)؛ حرب الحدود الليبية-المصرية (1977)؛ الحرب الكردية الداخلية العراقية (1978-79)؛ الاضطرابات الشيعية العراقية في كربلاء (1979)؛ تمرد الإخوان المسلمين في سورية (1979-92)؛ الحرب اليمنية (1979)؛ حرب الخليج الأولى (1980-88)؛ الغزو الإسرائيلي للبنان (1982-84)؛ حرب اليمن الجنوبي (1986)؛ الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987-93)؛ حرب الخليج الثانية (1991)؛ الحرب الأهلية اليمنية (1994)؛ انتفاضة القبائل اليمنية (1998)؛ الصراع الحدودي السعودي-اليمني (1998).
وأيضاً: الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000- مستمرة)؛ حرب الخليج الثالثة (2003-2011)؛ الغارة الأميركية على سورية (2008)؛ ثورة صعدة/ الحرب الأهلية اليمنية (2004- مستمرة)؛ الحرب السعودية-اليمنية (2009)؛ الغزو الإسرائيلي للبنان (2006)؛ حروب غزة (منذ 2008 وحتى الآن)؛ الثورة المصرية (2011)؛ حرب ليبيا (2011)؛ الحرب الأهلية السورية (2011- مستمرة)؛ حرب “داعش” (2014- مستمرة)؛ الحرب الأهلية الليبية الثانية (2014- مستمرة)؛ الضربات الصاروخية الأميركية لسورية (2017، 2018)؛ صراع تركيا مع الأكراد السوريين وغزو شمال سورية (2018- مستمر)…
أُفّ! شيء يُضيِّق النفسَ حقاً! وهذا غيضٌ من فيض الاضطرابات المحلية والصراعات البينية. وهو يوضح أن يوماً –وربما دقيقة- لم يمرا على المنطقة بلا أهوال ومنغضات. وربما لم يشهد أي مكان آخر في العالم هذا الكم المثابر من الأزمات والتدخلات والغزوات التي شهدتها –وما تزال- هذه المنطقة. هكذا ولُدت أجيال عربية وهرِمت مع التوتر والتوقُّع الحذِر، وترتب عليها -مع ذلك- أن تشق طرقها الشخصية والوطنية في هذه المحيطات المتلاطمة. ولم تأتِ هذه الاستمرارية النكدة بلا كلفة فادحة على نفسية العرب ويومياتهم ومصائرهم.
في قمة أسباب التوترات، كما هو واضح، تصنيع الكيان الصهيوني في قلب المنطقة، والذي ظل دائماً طرفاً مباشراً أو غير مباشر في معظم الحروب والصراعات التي أكلت الروح والإمكانيات العربية. ولذلك، يصعب منطقياً تصور أي نوع من التعايش والحياة الطبيعية مع هذا الكيان العدواني، كما يقترح الاستسلام الحاضر بكثافة في الخطاب العربي الرسمي المفلس مؤخراً. وفي قمة الأسباب أيضاً، النفط. فبالإضافة إلى إغراء كل الطامعين الدوليين بالتنافس على إخضاع المنطقة وتعطيل إمكانياتها، أحدث النفط طفرة قاسية في التكوين الاجتماعي العربي؛ وصنع فرزاً طبقياً على مستوى الدول والمجتمعات؛ وخلق اقتصادات ريعية ونخب تستأثر بالثروات وتعزز مصالحها على حساب شعوبها وتقدمها وحرياتها؛ وصنعَ دولاً وجدَت نفسها فجأة في القمة والمقدمة بلا تطور طبيعي،وكثَّف الاعتمادية على الأغراب، بسبب الكسل عندما يتعلق الأمر بتنمية الإمكانيات الذاتية وتحرير القرار والاعتماد على الذات؛ والكثير من الأشياء.
سببٌ مهم آخر، هو الفشل المتواصل في تعريف الهوية، والنهج، والآليات. ويشتبك ارتباك الهوية –فردياً وقُطرياً وإقليمياً، مع بقية عناصر الصراع بعلاقة جدلية، ويعبر عن نفسه في اشتباكات دموية لمختلف الأسباب: الدينية، والعرقية، والطائفية والقبَلية. وما أكثر الثنائيات التي حُكِم عليها أن تكون متعارضة: سني/ شيعي؛ كردي/ عربي؛ مسلم/ مسيحي؛ سني متطرف/ سني معتدل؛ متدين/ علماني. وفي الحقيقة، ما في العالم إقليم فيه كل هذا العدد من التقسيمات الفئوية الطاغية مثل هذا الإقليم.
التواترات تتوالد فقط بلا انتهاء، والنتيجة فقر مُطَّرد في الأساسيات: الحرية، والكرامة، والخبز. ودائماً ثمة فقط تدافُع فاقد الصواب من أناس يبدون موتورين حقاً، ولا فكاك من الدائرة الشرسة!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock