;
أفكار ومواقفرأي اقتصادي

توقعات صندوق النقد الدولي وآمال يوم العمال العالمي

أحمد عوض

تأتي التوقعات الصعبة التي قدمها صندوق النقد الدولي لمستقبل الاقتصاد العالمي والاقتصادات الإقليمية والوطنية، في وقت يحتفل العالم بيوم العمال العالمي، الذي يشكل عنوانا للنضال العالمي من أجل العدالة الاجتماعية.

توقعات الصندوق لا تبشر بأن العالم يسير بخطوات ثابتة للانعتاق من تداعيات وباء كورونا الذي أفقد أكثر من ستة ملايين إنسان حياتهم، وأضعف الاقتصاد العالمي بشكل كبير، هذا الاقتصاد الذي وصل من الهشاشة البنيوية مستوى غير مسبوق.

ما إن بدأت الاقتصادات العالمية بالتنفس جراء انحسار وباء فيروس كورونا المستجد، وبدأت محركات الاقتصادات العالمية بالدوران، حتى جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتعيده سنوات الى الوراء.

سؤال العدالة الاجتماعية غائب بقوة عن خطاب المؤسسات الاقتصادية العالمية ومراكز الاقتصادات الكبرى في العالم، فهذا الخطاب معني بتمكين الحكومات من سداد ديونها، ومساعدتها على تخفيض موازناتها المالية السنوية، وغيرها من الأهداف المرتبطة بالحفاظ على الصحة الهيكلية للاقتصادات الوطنية.

في الوقت الذي راجع صندوق النقد الدولي قبل أيام مختلف توقعاته التي قدمها سابقا لاتجاهات النمو الاقتصادي العالمي والإقليمي والوطني، والتي اتسمت بتراجعها بشكل ملفت، اذ لن تحقق معدلات النمو الاقتصادي العالمي أكثر من 3.6 بالمئة خلال العام الحالي، بعد أن سجل 6.1 بالمئة العام الماضي.

في ذات الوقت، نرى أن على المؤسسات الدولية والإقليمية والوطنية المعنية بقضايا التنمية والعدالة وحقوق الانسان أن تراجع أولوياتها أيضا، باتجاه التركيز أكثر على بناء نظم اقتصادية أكثر عدالة من المنظومة القائمة، وهي التي عمقت حالة اللامساواة الاقتصادية بين وداخل الدول بشكل غير مسبوق، لدرجة أن طالب العديد من كبار رجال السياسة والأعمال في العالم بإعادة النظر في هذه المنظومة الهشة وغير العادلة.

الدول الفقيرة والناس الفقراء هم من يدفعون ثمن هذا التراجع، حيث قلة الوظائف وتراجع شروطها وارتفاع مستويات الفقر هي العنوان الأبرز لها، يرافقها نظم حماية اجتماعية ضعيفة وهشة، الى جانب أن قدرة الدول الفقيرة والفئات الاجتماعية الفقيرة على التكيف محدودة جدا، مقارنة بالدول المتقدمة والمصدرة للطاقة.

لا ينكر صندوق النقد أن الدول الفقيرة والناس الفقراء هم من سيدفعون الثمن الأكبر لهذه التوقعات الصعبة للاقتصاد العالمي، ويصف حالها بأنها ستعاني (ندوبا أشد وطأة مقارنة بالاقتصادات المتقدمة)، وهذه فرصة لتأكيد دعوة خبراء الصندوق لمراجعة العديد من سياسات الصندوق التي ساهمت في أضعاف منظومات الحماية للدول الفقيرة، وساهمت في نشوء هذه الندوب.

ولعل الجانب الأكثر خطورة في توقعات الصندوق يتمثل في الارتفاعات الكبيرة في معدلات التضخم (ارتفاعات الأسعار)، – الذي يعد أحد محركات التراجع الاقتصادي – حيث ستصل الى 8.7 بالمئة في الدول ذات الاقتصادات الناشئة والنامية، في حين ستكون عند مستويات 5.7 بالمئة في الاقتصادات المتقدمة.

لذلك ستجد المؤسسات النقدية (البنوك المركزية) نفسها مضطرة لرفع أسعار الفائدة في محاولة منها لمواجهة ارتفاعات التضخم، ما سيضعف فرص التعافي الاقتصادي الذي تم التعويل عليه لتجاوز الانكماش الذي أصاب الاقتصاد العالمي ومراكزه خلال العامين الماضيين.

هذه التوقعات، والاتجاهات العالمية لمسارات تطور الاقتصاد تدفع باتجاه إعطاء أولوية قصوى لبناء نظم حماية اجتماعية شاملة ومتماسكة تحمي الطبقات الاجتماعية الهشة (الفقيرة) التي تتسع يوما بعد يوم، من نتائج الاختلالات الكبيرة التي يعاني منها الاقتصاد العالمي هيكليا، وأصبحت متلازمة له.

وهذا يدفع باتجاه دعوة الحركة العمالية العالمية بمختلف مكوناتها القطاعية والإقليمية والوطنية في اليوم العالمي للعمال إلى التركيز في عملها على الدفاع عما تبقى من معايير العمل العادلة والمنصفة، أول ضحايا الأزمات الاقتصادية، وعلى وجه الخصوص بناء منظومات حماية اجتماعية شاملة تركز على أجور عادلة تكفي لتوفير الحياة الكريمة للعاملين.

المقال السابق للكاتب 

دعوة لمراجعة سياسات صندوق النقد

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock