أفكار ومواقف

تونس: تحيا الديمقراطية

نهاية الأسبوع الماضي، كان الشعب التونسي على موعد مع التاريخ مرة أخرى؛ عندما أُعلن عن منح جائزة نوبل للسلام للرباعي الراعي للحوار الوطني والعمل السياسي التونسي. وكما افتتح التونسيون قبل أكثر من أربع سنوات زمن التحولات العربية بالانتصار لإرادة الحياة والرغبة في التغيير، استقبلت النخب التونسية هذا النبأ بالهتاف من أجل الديمقراطية.
تستحق تونس ورباعي الحوار الوطني (الذي يضم منظمات الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين) هذا التكريم العالمي. وعلى الرغم من أن تونس لم تتعاف بشكل تام من آثار الأمراض العربية التي تبعت “الربيع العربي”، إلا أنها قطعا الأكثر تعافيا من الجميع. فقد استطاع رباعي الحوار الوطني إنقاذ البلاد من أزمة سياسية حادة في نهاية العام 2013، كادت تقود تونس نحو شكل آخر من حروب الاقتتال العربية. لكن الالتزام بأدوات الديمقراطية وقيمها، جعل الفرقاء السياسيين يعودون إلى طاولة الحوار، فجنبوا بلادهم مصيرا مجهولا.
كل يوم، تعلمنا التجربة التونسية دروسا جديدة ومختلفة؛ أهمها أن الديمقراطية التي تعلمنا احترام الاختلاف والتنوع والاحتكام لصناديق الاقتراع، تعلمنا أيضا، وبالقدر نفسه من الأهمية، القدرة على صياغة التوافق الوطني. فالديمقراطيون الذين لا يستطيعون الوصول إلى التوافق في لحظة ما، لن يستطيعوا أن يحموا التعددية في لحظة أخرى. وبالتالي فهم لا يستحقون الديمقراطية ولن يحموها.
صحيح أن السنين التونسية الأربع الأخيرة لم تكن ورودا وياسمين، بل شهدت دماء ولحظات احتقان عاصفة كادت تودي بأحلام الثورة وأشواقها؛ لكن النضوج الثقافي والسياسي الذي أبداه المجتمع التونسي، إنحاز في معظم تلك اللحظات العاصفة لخيار الدولة المدنية، وللديمقراطية، ولحق الجميع في ممارسة السياسة ضمن هذه الحدود.
وهنا يبرز الفرق بين الخميرة التونسية الناجزة، وبين التجارب غير الناضجة التي ذهبت نحو المصائر المعتمة التي وصلت إليها معظم مجتمعات التحولات العربية. وهو ما يطرح السؤال: لماذا تونس؟ هل يعود ذلك إلى اتصالها المباشر مع الغرب الديمقراطي، أم إلى إنجازات التنمية البشرية، وعلى رأسها ما حققه هذا المجتمع في مجال التعليم وحقوق المرأة؟
المفاجأة الكبرى تتكرر مرتين. الأولى، حينما دفعت تونس كثيرين للتلفت حولهم في الأيام الأخيرة من العام 2010؛ إنها المرة الأولى التي يفعلها الشارع العربي بالإطاحة بدكتاتور من دون أن يأتي حلم الديمقراطية على دبابات الغزاة أو عبر صناديق اقتراع يهيمن عليها الإسلاميون للأبد. والمرة الثانية هذه الأيام، ونحن نشاهد الديمقراطية التونسية تصمد وسط القبائل المتناحرة، ويتقدم العالم لتكريمها.
كان خير الدين التونسي؛ صاحب أول مشروع إصلاحي في تونس الحديثة وأبو النهضة التونسية في القرن التاسع عشر، يكتب داعيا بلاده إلى أن تلحق بالغرب وتتجاوزه. وكان يضع التعليم أول مدماك وآخر حجر في معمار الإصلاح والنهضة. تونس المعاصرة اليوم تمنحنا بعض الأمل، وتجعل العالم يتردد في تصديق مقولة العقم الثقافي العربي في تعلم الديمقراطية وممارستها. لكن، هل يصل عطر الياسمين التونسي إلى الجيران؟

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تهميش واضح
    مع كل التقدير للجهود التي أدت لتنجب الفوضى في تونس و التي هي قدوة لأخواتها من الدول العربية الأسلامية و لكن أرى ان الأسلامين الذين حملوا على مسروليتهم قيادة البلاد بعد الثورة بكل ما تحتويه من فساد و فاسدين و دولة عميقة متغلغلة عقوداً و رغم ضعف الامكانيات القيادية و السياسية للجميع طبعاً و ليس للفصيل سياسي معين بسبب الاستبداد المنصرم و ربما العائد بقناع جديد و تجاهل التضحيات التي بذلوها و المتبع للشأن التونسي جيداً يعرفها تماماً و ما مرت بها تونس خلال عامين بعد الثورة يرى ان إعطاء جائزة نوبل للسلام يجب ان تكون لهم بعد أن جنبوا البلاد فوضى سياسية وحاولوا قبادة البلاد الى بر الأمان , و رغم تحفظات الغرب قبل الشرق على منح جائزة نوبل للعديد من الشخصيات المثيرة للجدل و ربما من تسببت في مأسي وويلات للشعوب العالم كثيرة و ما تزال و اللجنة المانحة للجائزة التي تغفل عن قصد او دون قصد تلك المأسي و لكن لا ننسى ان الجائزة استحقها الكثيرون مما ساهموا في صنع السلام العالمي و لكن لا نزال جائزة نوبل من أكثر الجوائز المثيرة للجدل حول العالم

  2. الديمقراطية لاغبار عليها؟؟؟
    بداية انتقال السلطة وتداولها يتم كما اسلفت وفق صناديق الإقتراع برضا من بيده السلطة مع من فاز بالإنتخاب والفضل يعود للطرفين ؟قراءة ايديولجية الطرف الذي بيده السلطة (الإسلام السياسي) ارجو ومن خلال مقالك الذي اشرت الى وحدانية التجربة ان يكون تخفيفا وعلاجا لمن اصابه فوبيا الإسلام السياسي حسب مايسمونه" وحتى تكتمل المعادلة لمن شكك واصابته حمى فوبيا الإسلام السياسي حتى بداءوا بتلوين الديمقراطية وفق مناطقيتها وسحنت من اوصلتهم سدة الحكم ناهيك عن الديمقراطية مشفية واخرى بعظمها؟ ونسرد من الأحداث مثلا وصول حزب العدالة والتنمية برئاسة السيد مرسي الى سدة الحكم في مصر وفق صناديق الإقتراع؟؟صبيحة فوز مرسي اعلن رئيس دولة المنتج ومصدرتّه لدول العالم السيد اوباما ان الديمقراطية لاتعني صناديق الإقتراع وهي التي اوصلته سدة الرئاسة ؟؟اضف الى ذلك الاحزاب المعارضة التي شاركت ثورة وانتخاب مع السيد مرسي وحزبه"ديمقراطية يالعيّب ياخريب"والأنكى من صوّر دبابات العسكر وبواريدها ب صناديق االإنتخاب الشفافة عندما استولوا على الحكم ؟؟ مع تمنياتنا على من اعتلوا سدة الحكم في تونس ان يحذوا حذوا من سلمهّم السلطة بتسليمهم السلطة لغيرهم حتى تتكرر التجربة وتعري اصحاب اقلام جلد الذات والتعميم بتخلف الأمة العربية ممن تستروا تحت فوبيا الإسلام السياسي تنفيذا لمخطط دفين من جندّهم جهلا واودولرة في عدائة ل الأمة التي كانت "خير امة اخرجت للناس" عندما تلحفت بتشريع ديننا السمح قابضة على رباط وحدتها؟؟

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock