لم أستغرب أن نصف من أخبرتهم عن تيريزا هلسه التي ترقد على سرير الشفاء اليوم، لم يسمعوا عنها أبدا!
لم أتوقع من جيل السوشال ميديا ومتابعي مشاهير المواقع التواصلية، أن يكونوا قد سمعوا قبل اليوم والذي صادف عيد المرأة العالمي، عن الفدائية الأردنية الفلسطينية، التي شاركت وهي في السابعة عشرة من عمرها، في اختطاف طائرة على متنها عشرات “الإسرائيليين”، والتي كانت متوجهة إلى مطار اللد في فلسطين المحتلة عام اثنين وسبعين من القرن الفائت.
ربما لم تستذكر الكتب الدراسية كثيرا من الشخصيات الاعتبارية على مدى عقود من الزمن، لأسباب سياسية وفكرية معينة. لكن من المؤكد أن الذاكرة الشعبية كذلك تنسى الحكايات و”البطولات”، ولو أن معايير البطولة تختلف بل وتنقلب مع الأيام وتواليها.
فعلى الرغم من اختيار “تيريزا” البقاء في الظل منذ العام الذي أفرج عنها فيه، بعد مضي أحد عشر عاما على اعتقالها، بعد عملية اختطاف الطائرة “سيبينا” الشهيرة في ذلك الوقت، لكن اسمها كان وحتى زمن غير بعيد يلمع مثل النجم، كلما طاف الحديث حول العمل الفدائي العربي، في بدايات المقاومة آنذاك. ومع ذلك وككل النجوم التي تخبو تدريجيا، غابت تيريزا عن محفل الحديث شيئا فشيئا، في غمرة غيابات رديفة لأسماء “أبطال” آمنوا بعدالة قضيتهم واستشهدوا أو اعتقلوا وأصيبوا بجراح، من أجل أهدافهم الراسخة وأحلامهم في التحرر الشريف النظيف.
من المؤسف أن تعامل مرحلة نضالية كاملة بهذا الجحود والإنكار إن صح التعبير، على اعتبار أنها لا تتناسب مع متطلبات العهود الجديدة. في الوقت الذي ينبري فيه القتلة والمجرمون للاحتفال بأسمائهم الكبيرة، حسب تصنيفاتهم الشاذة، وتكريمهم في حياتهم وبعد مماتهم، ليبقوا الذخيرة الحية في ذاكرة الصغار الذين سيكبرون وهم مدعمون بالحكاية والأناشيد، تدفع حماسهم إلى إكمال المتواليات التي تخص أحلامهم وطموحاتهم في الاحتلال والقتل والتمدد.
في الوقت ذاته، تخجل آلية إعلامنا وأدوات تعليمنا من مجرد الإشارة لقصص مناوئة حقيقية ومشرفة، لبطلات وأبطال مرحلة العمل الفدائي، أوجعوا “العدو” في عدده وعدته وخطته.
تيريزا وأفراد أسرتها الصغيرة، كانوا حريصين على أن تعيش حياتها بهدوء وسلام، وهم أيضا يفعلون ذلك، كما سمعت، مع تفاصيل وضعها الصحي. نواب وأعضاء من الحكومة زاروها وقدموا لها واجب الزيارة والدعاء، لكن ذلك لم يتم تغطيته إعلاميا، بناء على رغباتهم وأمنية تيريزا نفسها. إنما هذا لا يمنع أن نخبر جيل شبابنا عن تلك المرأة القوية الشجاعة، المؤمنة بقضية قاتلت لأجلها ودفعت من عمرها الكثير لتنتصر لها. إنها ورفاقها أهم وأكبر وأنبل من عشرات المشاهير الجدد، ممن يكبدون متابعيهم ملايين الدنانير بدون أن يشعروا، مقابل إبقائهم على قيد المتابعة!
فلنتمنى الخير كله للسيدة الكريمة تيريزا، ونتذكر أنها بطلة حقا حسب مفهوم النضال، الذي كان طريق المقاومة الوحيد في يوم من الأيام.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock