أفكار ومواقفرأي في حياتنا

“تيليثون” للغارمات

عدم شمول الغارمات بقانون العفو العام، يقتل آمال مئات النساء الأردنيات القابعات في السجون، من أجل أسباب بتنا نعرفها جميعا، لا علاقة لها بالجريمة ولا الجناية. إنها واحدة من مخرجات الوضع الاجتماعي الاقتصادي القاسي والتي باتت المرأة الأردنية، مهما كان وضعها أو اختلفت مرجعياتها الاجتماعية والتعليمية والسلوكية، إحدى ضحاياه الأكيدة.
ليس مقبولا أبدا المبررات “القانونية” التي تلتف حولها المؤسسات الرسمية، لتفسير عدم شمول الأقل حظا من الطلبة والغارمات خصوصا، بقانون سمي بالعفو العام!
مئات الأسر وآلاف الأطفال يقبعون اليوم، تحت طائلة الانتظار المبرح الموجع البارد، سببه غياب الأم عن المنزل بسبب مبالغ مالية كان بالإمكان شمولها بقانون العفو العام، وذلك بإدراج بند خاص لا علاقة له بالجرائم والجنح، ويتغاضى عن “حقوق المطالبين”، كما يفعل القانون بغض الطرف عن الحقوق العامة.
القانون، أي قانون إن لم يكن يحمل بين أوراقه الصلبة الجافة، قصاصات إنسانية تخاطب الضمائر وتوقظ القيم الطيبة، فإنه لا جدوى له في مجتمع يتحرك بالمشاعر والأحاسيس، وتهزه الكلمة قبل الفعل، ويتأثر بالطبطبة فينسى أو يتناسى الألم الحقيقي، مستعيضا عنه بابتسامة الرضا أن الوطن ما يزال بخير.
كيف تفتح السجون إذا على مصراعيها أمام من سيفرح بقانون العفو، وهو لم يتخيل قط أنه سوف يقضي بقية سنوات عمره بين أهله وأحبائه، فيما القابعات على مساطب الحزن والقلق والحسرة، ينتظرن حلولا أخرى ربما تجود بها الصدف، أو فزعات موسومية؟!
إذا كانت الدولة تعول على صناديق خيرية أو مساعدات خارجية كما حدث مؤخرا، أو على حملات النشطاء، فإنها فعلا لا تعي حجم المعضلة التي وقعت بها تلك النساء. لأن الأمر لو كان بيد تلك الجهات، غير المنظمة ولا المؤسسة لكان الأمر محلولا منذ أمد.
موضوع الغارمات بالذات، معروف أن غالبيته يقع تحت بند تحمل المسؤولية من قبل النساء، صغيرات وكبيرات، متزوجات وعازبات، بعد أن أغلقت الأبواب أمام الحلول المتاحة للخروج من ضائقات مالية صعبة. أو لأن كثيرات منهن وقعن فعلا في أفخاخ النصب والاحتيال وتورطن بإرادتهن، بقضايا كبيرة لم يحسبن لها حسابا حين كن يوقعن على الأوراق والكمبيالات.
المبالغ المطلوبة من الغارمات ليست بمستوى حجم العقاب الواقع على نساء أردنيات لسن مجرمات، بل هن فريسة للجرم والاحتيال والطمع بطبيعة الحال!
من العدل بمكان، أن يتجاوز القانون القانون نفسه هذه المرة، ويعيد الأمل للفقراء والمعوزين والمحتاجين، سواء من الطلبة الخريجين الذين انكسرت عليهم مبالغ مساعدات صندوق الطلبة، بسبب البطالة المتفشية، أو من النساء اللواتي يمكن أن يتصرفن بسد الدين، إن لم يتم سداده من الصناديق الخيرية، لو هن خارج السجون.
وجود الغارمات في السجون لن يعيد الحقوق لأصحابها، لو كانت هذه هي المعادلة. بل المشكلة بحاجة إلى تكاتف المؤسسات الوطنية والخاصة ورجال الأعمال والصناديق الخيرية والمغتربين، عبر حملة وطنية شاملة ولو كانت على هيئة “تيليثون” تجمع به الأموال المستحقة على الغارمات، ويتم سدادها ولكن، بعد أن يخرجن فعليا من السجون، مع التزام بالدفع بعد مدة معينة يرتئيها المشرع القانوني، وهي المدة المطلوبة لإنجاز هذا التيليثون خلال الأشهر المقبلة.
جربوا هذه المرة، وإن لم يتم السداد فليس لهم إلا الله والصدف النادرة!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock