أفكار ومواقف

ثروة المجتمع وثروة الدولة

لا جدال أبدا في أن ما يذهب إليه بعض السياسات الاقتصادية، نظريا، بالتحول نحو المزيد من الاعتماد على الذات، هو الطريق السليمة لاقتصاد معافى ومستدام. كما أنه لا جدال، ومن منظور علمي وتاريخي، في أن الاعتماد الحقيقي على الذات يعني الاعتماد على جيوب المواطنين. وهذا ما قد لا يعجب البعض؛ إلا أن الحقيقة التي لا مفر منها هي أن العقلانية الاقتصادية في العالم المعاصر تؤكد أن عافية الدول تبدو في قدرتها على الاعتماد على الذات، ومن جيوب مواطنيها أولا. لكن، أي جيوب؟ وكيف تكون ثروة المجتمع هي أساس ثروة الدولة، وليس العكس؟
ننظر إلى هذه المعادلة وسط مسلسل رفع الأسعار وكلف الحياة الذي يواجه المجتمع الأردني بشكل مطرد منذ أكثر من عام، ويصل هذه الأيام أوجه؛ ونلاحظ كيف تذهب الحكومات إلى تعليق برامج الإصلاح الاقتصادي المتتابعة في الهواء، بدون أن تقيّم الأساس المتين الذي يثري ثروة المجتمع لكي تستدام الدولة. وهذا الأساس المتين والمجرب ليس اختراعا أردنيا، وليس بدعة، ويتمثل اليوم في توسيع قاعدة الإنتاج، وربط العمق الاجتماعي بها، وتطوير نوعية رأس المال البشري ورأس المال المعرفي، من خلال نقل المعرفة والتحديث والتطوير. وهو ما لم نفعله في البعد الأول؛ إذ يهيمن قطاع الخدمات على ثلثي الناتج الإجمالي الوطني. كما تراجعنا كثيرا في البعد الثاني، ونكاد نضل الطريق؛ إذ نحكي كثيرا حول المعرفة والتحديث، بدون أن نرى نتائج ملموسة ينتفع بها الناس.
أصبحت ثروة المجتمع في الأردن خلال آخر عشر سنوات، شبه محتكرة. إذ هناك 10 % من المجتمع يملكون نحو 80 % من الثروات؛ مقابل 90 % لا يملكون سوى 20 % من الثروة! كيف حدث ذلك، وعلى حساب من؟
يُسهم القطاع الخاص الذي يمثل جانبا من ثروة المجتمع، بنحو 70 % من الناتج الإجمالي الوطني. ولكن هذا الناتج لا يعكس بشكل فعلي حجم الثروة. فالأصول والأموال الثابتة التي تمثل ملكية الدولة، فيها أضعاف النسب السابقة، وقد شهدت خلال هذه السنوات هي الأخرى عمليات تسييل، وتم تفتيت الكثير منها. وربما أن ما شهدته هذه الأصول من تسييل وبيع وخصخصة خلال العقد الماضي، يوازي ما أهدرته الدولة طوال العقود الثمانية الماضية، من دون أن تقترب من الشرط الأساسي الذي يكفل لها أن تحيا من جيوب مواطنيها، ونقصد بذلك بناء قاعد إنتاج حقيقية.
خلال السنوات الخمس الماضية، تفاقمت ظاهرة الفقر في الأردن؛ في دليل على فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وما أنتجته من برامج وخطط. إذ يلاحظ، على سبيل المثال وبالمعطيات الرسمية، أن هذه المرحلة شهدت تصاعدا في أعداد جيوب الفقر من 22 جيبا في العام 2006، إلى 32 جيباً في العام 2008، وصولاً إلى 36 جيباً وفق آخر دراسة رسمية في مطلع العام 2012.
علينا أن نراجع، بشكل علمي ونقدي، السياسات الاقتصادية والاجتماعية خلال العقدين الماضيين، وسنلاحظ أن كل برامج الإصلاح الاقتصادي قد قدمت باسم الفقراء؛ فخطط إعادة الهيكلة، وبرامج التحول الاقتصادي الاجتماعي، وشبكات الأمان الاجتماعي.. وغيرها، قُدمت وسُوغت أمام الرأي العام باسم الفقراء، وأحيانا الطبقة الوسطى؛ مرة من أجل حماية هذه الفئات، ومرة من أجل توفير فرص أفضل لها. لكن دائما، وعلى مدى هذه السنوات، دفع الفقراء ثم الفئات الدنيا من الطبقة الوسطى، الثمن الغالي لتلك السياسات والبرامج. واكتشفنا بعد حين أن اليد الخفية لم تكن حريصة على العدالة، وأن الفقراء هم وحدهم من دفع الثمن.
محاولة الدولة الاعتماد على جيوب مواطنيها من دون أن توظف ثرواتها
–أي الدولة– في سبيل بناء قاعدة إنتاج وتوسيع قاعدة المنتجين، ستكون قفزا في الهواء من المنظور الاقتصادي قبل المنظور الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock