أفكار ومواقف

ثقافة الاعتذار

تطيب النفس في كثير من الأحيان إذا ما ابتسم لها الإنسان وسمع كلمة لطيفة تتغلغل بلسما رقيقا يجبر الكسر ويداوي الجرح. فهل نحن في منزلة أولئك الذين يسامحون ويغضون الطرف عن إساءة أو أذى تعرضوا له. فكلمة «أعتذر» ربما تكفي في كثير من الأوقات، لمحو أي شيء قد يحمله القلب في داخله، لذلك امتلاك القدرة على الاعتذار، تعتبر من أسمى القيم ينال فيها المرء المراتب العليا عند الله، ويعود النفس على الاعتراف بالخطأ مهما كانت الظروف المحيطة به.
لقد دأب العديد من الناس على الترفع عن مقابلة الإساءة بالإساءة، فإذا ما تصادف الإنسان في موقف ما وتعرض للأذى بقصد أو من غير قصد، فمن الأجدى أن يقدم من أساء له «الاعتذار» الكافي، كي يصفح المتضرر ويتجاوز عن إساءته بحقه. فما أكثر الذين يصرون على رأيهم، ويرفضون التنازل، وطلب الصفح والمغفرة ممن تسببوا بإيذائهم. فالمجتمعات ترتقي بحسن تعامل أفرادها مع بعضهم البعض، والمجتمعات التي يسود بين أفرادها التناحر والخلاف، لا يمكن لها أن تتطور وتسير بركاب الحضارة، ما لم يتعال الأفراد عن جراحهم والابتعاد عن تصيد الأخطاء لبعضهم، و يتبنون طريق الشقاق منهجاً لحل النزاعات فيما بينهم، فالنار تأتي من مستصغر الشرر، فلم لا يبادر المخطئ ويواجه نفسه بالخطأ الذي اقترفه بحق الآخرين، ويعتذر حتى يغلق باب الخصام. إن عقيدتنا لتربي فينا خصلة العفو والمسامحة عن أولئك الذين أساؤوا لنا، فالاعتراف بالخطأ خصلة حميدة لا يعيها الغافلون.
فتعميق ثقافة الاعتذار في مجتمعنا، لا يعني بالضرورة أن تنم عن ضعف وخوف، ولكنها من أفضل الخطوات التي تصفي القلوب وتمسح الدموع وتسعد النفوس، بالإضافة إلى أنه يشعر الإنسان بالراحة والطمأنينة، فمثلاً إذا تصادم شخصان في وسيلة مواصلات، يحدق الشخص بالآخر كما لو يود الهجوم عليه، فلو ابتدأ الآخر بكلمة «آسف»، لسكنت النار في الصدر وهدأ الفكر وراجع المرء نفسه. فكم من مشاجرة ومناكفات حدثت وتحدث بسبب تشبث الأطراف المتنازعة برأيها وإعراضها عن الاعتراف بالخطأ، وعدم تجاوز الأطراف الأخرى عن الإصرار في أخذ ما يتصورونه حقا لهم.. فالاعتذار من أجمل الخصال التي يتمتع بها أفراد المجتمع الواحد، ولينعم المجتمع بالأمن والاستقرار والتوافق بين أفرادهم، ويعلو منطق المصالحة المجتمعية الدائمة على منطق الشد والجذب.

انتخابات 2020
18 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock