أفكار ومواقف

ثقافة التغيير السياسي في الأردن

سامح المحاريق

بدأت الحرب على البيروقراطية في التسعينيات وتحولت إلى تيار عالمي واسع الانتشار يقوم على ترشيق الحكومات وخصخصة المؤسسات العامة، ولم يكن للأردن أن يخرج عن التيار المسيطر على الفكر الاقتصادي والإداري، خاصة أن قدرة الدولة على الاستثمار في مجالات الاتصالات والصحة وغيرها بقيت محدودة، وظهرت الحاجة إلى مواكبة العصر وكانت الإجابات إلزامية، ومع ذلك، كانت البيروقراطية والدولة في الأردن مثل الضفيرة، لا انفكاك بين الجهتين، فالأردن تحصل على فرص كثيرة تمثلت في استقراره وسط إقليم مضطرب، وأخرى في المساندة المالية التي بدأت بعد حلف بغداد، وفي الحالتين، كان الاستثمار في بناء الدولة ومؤسساتها وبيروقراطيتها هو الوجهة الرئيسية لكل ذلك، وأصبحت المسألة ثقافة مجتمعية.

في المقابل، لم يكن للأردن أن يفلت الأمور لسيطرة كاملة للقطاع الخاص، فالأردن المستقر والهادئ، والذي حقق مكاسباً اقتصادية في وسط أزمات المنطقة، يفكر بطريقة مختلفة، ولذلك فمصادره الاستثمارية تستند إلى اعتبارات مختلفة عن دول أخرى كثيرة، ويفضل الأردن أن تكون هذه الاستثمارات من دول حليفة تدرك أن استقرار الأردن مصلحة إقليمية متوافق عليها، وفي لحظة ما، أصبحت الاستثمارات هي البديل عن المنح والهبات التي كانت تتدفق للأردن في مراحل سابقة.

المستجدات في العقد الأخير كانت أسرع من استيعاب الأردن، وأمام أزمات تدحرجت بعد التهديدات الإرهابية في العراق وانقطاع الغاز المصري، وأزمة اللجوء السوري، كانت المديونية الحل الذي انتهجته الدولة الأردنية لتصل إلى حدود غير مريحة، ولذلك فإن الحديث عن الاستثمارات الذاتية في المشروعات الكبرى يكون أمراً مستبعداً في هذه المرحلة، حيث تشكل خدمة الدين نحو 15 % من موازنة الحكومة التي أرهقت بعد أزمة كورونا.

مشكلتنا الحالية مالية في الأساس، وتوجد مفاوضات مقبلة حول المساعدات الأميركية لن تكون مريحة في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية، والأشقاء في الخليج العربي يتحدثون عن استثمارات تتلاءم مع أولوياتهم، والتراجع الطفيف في خدمة الدين التهمته التدابير الصحية المرتبطة بأزمة كورونا، والتوجه يجب أن يكون تجاه الهيئات المستقلة، والحكومة نفسها، أي الإصلاح الإداري، وهذه قضية إدارية ذات أبعاد سياسية، والمشروع الجريء الذي تحدث عنه رئيس الوزراء سيولد مزيداً من الأعداء للحكومة، ومزيداً من الضغوط على الدولة، لأنه سيقلص من الكعكة المطروحة من المناصب والأدوار، وسينقل التزاحم من داخل الحكومة والمؤسسات إلى المشاريع الحزبية الجديدة التي بدأت أخبارها تتقاطر في وسائل الإعلام.

الحكومات المتعاقبة لعبت دوراً كبيراً في مشكلة الثقة من خلال استثمارها للوقت، وعوداً أو تسويفاً، وترحيلاً مكانياً للمشكلات، أو ترحيلها زمانياً للحكومات اللاحقة، وهي الفرصة التي لا يحظى بها الرئيس الخصاونة الذي انتقل من الديوان الملكي إلى الدوار الرابع، وبعد ذلك، بدأت عمليتان رئيسيتان، الأولى، تحديث المنظومة السياسية، والثانية، الإصلاح الإداري، ولا يوجد مجال للتحجج بالالتباس أو عدم الفهم، فما يمكن وصفه بالحكومة الموازية التي تولدت في مرحلة سابقة نتيجة لمحاولات احتواء البيروقراطية من غير الإضرار بالأنسجة الاجتماعية والثقافية المؤسسة في الأردن أصبحت اليوم جزءاً من الماضي، وعلى الحكومة أن تدرك أن دورها هو ضمان المرحلة الانتقالية بأقل قدر من التبعات والهزات.

الإصلاح الإداري هو القنطرة التي تحمل الإصلاح السياسي في البنى الفوقية في المجتمع لتمتد إلى مستوى القاعدة الجماهيري، ويبقى التحدي الرئيسي منصباً على الاصلاح على مستوى القاعدة، أي بين المواطنين، وهو إصلاح من المطلوب أن يمتد بين وظائف التربية والتعليم والثقافة والإعلام، وربما يشكل الجزء الأصعب في العملية بأسرها.

المقال السابق للكاتب

الكتابة الصحفية بين الطين والعجين

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock